لعبة النظام والتنظيم في مصر

الاثنين 2016/08/22

العلاقة بين جماعة الإخوان المسلمين والأنظمة المصرية المتعاقبة، تبدو مثل لعبة القط والفأر، مع اختلاف بسيط، ففي اللعبة الكارتونية يجري الأول وراء الثاني ويطارده حتى يفتك به.

لكن في لعبة النظام والتنظيم السياسية، يطارد الأول الثاني ويضعه في القفص ليكون تحت سيطرته، بعد أن يجرّده من جزء معتبر من عناصر قوته، المتمثلة في الجري السريع وحسن المراوغة.

ربما يكشف هذا التشبيه عن الكثير من جوانب العلاقة الخفية بين الطرفين، ويفسر عدم وصول المعلومات التي تناثرت بشأن المصالحة السياسية بينهما إلى نتيجة إيجابية، بعد أن راج الحديث عنها خلال الفترة الماضية، وسط تصريحات وإشارات رسمية ذهبت إلى عدم استبعاد الوصول إليها.

الطريقة التي تدير بها الحكومة المصرية الحالية ملف الإخوان، لا تختلف كثيرا عما سبقها في عهد حكومات متباينة، مع اختلاف نسبي في درجة الإقصاء والمطاردة، وتقوم على تقويض عناصر القوة الأساسية في هياكل الجماعة، بطريقة تمكنها من التواجد والاستمرار، وتمنعها من التآكل والتلاشي، وتمنحها درجة من الحركة والنشاط في أجواء تتحكم في مفاتيحها أجهزة رسمية قوية، والخروج على قواعد هذه اللعبة المحكومة بضوابط سياسية وأمنية يؤدي إلى مشكلات، تتوقف تداعياتها بمجرد الالتزام بالقواعد المتفاهم عليها ضمنيا.

مناسبة هذا الكلام استقيتها من رحم موقفين مهمين؛ الأول عدم ثبوت صواب الحديث عن المصالحة المزعومة بين الحكومة المصرية والإخوان، وتصرف كل طرف بالطريقة التي تحقق أهدافه، والتي لا تشير إلى تفاهمات سياسية حقيقية، فالحكومة تسعى لقصقصة الأجنحة الرئيسية للجماعة، دون أن تقضي عليها تماما، بصورة لا تؤدي إلى زيادة تيار التشدد وتصاعد وتيرة العنف.

والجماعة تعي هذا المسعى وتتحرك فوق وتحت الأرض بموجبه، وتدرك أنها مراقبة، لكن لن يتم مساسها بقسوة مبالغ فيها، لأن وجودها مطلوب، فإذا كانت ورقة في أيدي الحكومات المصرية لمواجهة تيارات أخرى، سلفية ومدنية وقبطية، فهي أيضا تحظى بمظلة دولية منذ فترة طويلة، توفر لها حماية تقيها من الذوبان السياسي، ما يفسر أحد أسباب الإصرار على بقائها، مع أنها تعرضت لانتكاسات مدمرة في مصر وغيرها، بل يتم ضخ دماء جديدة في عروقها.

أما الموقف الثاني فيتعلق بتردد معلومات مفادها أن محمود عزت القائم بأعمال مرشد الإخوان موجود داخل مصر وليس خارجها، وهو ليس بعيدا عن قبضة أجهزة الأمن، لكنه تُرك يتحرك بقدر محسوب من الحرية، لأن نتائج القبض عليه ربما تخل بلعبة التوازنات الدقيقة التي يدار بها ملف الإخوان.

وفي ظل اعتقال قيادات إخوانية كبيرة (قيد محاكمات جنائية متعددة) يمثل محمود عزت ورقة مكشوفة لتوجيه الأوامر، ويستطيع بحكم خبرته ضبط ترمومتر التنظيم وفقا للصيغة المتعارف عليها منذ فترة طويلة، بينما يؤدي اعتقاله إلى اهتزاز جدرانها، ما يربك النظام والتنظيم، وقد تقفز قيادة مجهولة، تربك الحسابات المركزية لكل طرف، وتتغير قواعد اللعبة، ويضطر كل فريق إلى إعادة ترتيب أوراقه، بشكل يخل بالمعادلة التقليدية.

الزوايا أو نقاط الارتكاز التي يستند عليها النظام في عدم القضاء نهائيا على التنظيم تنطلق من عدة عوامل، يمكن استنتاجها من الخبرات التاريخية المتراكمة، خلال العهود الماضية، والتي شهدت فيها العلاقة صعودا وهبوطا لافتين، وحتى الآن ثمة محافظة على المفاصل التي تتحكم في دفة العلاقة التي يديرها النظام مع التنظيم، ويمكن إيجازها في أربع نقاط.

الأولى، جماعة الإخوان تنظيم براغماتي إلى أبعد الحدود، ورغم أن الجانب العقائدي ظاهر في أدبياته فإن مضامين خطاباته وممارساته تؤكد عكس ذلك، بل تعزز لديه مبدأ قبول المساومة وعقد الصفقات السياسية، وبالتالي يمكن عند لحظة معينة الضغط عليه، وإجباره على التخلي عن مواقف وتبني أخرى مناقضة لها، بمعنى أنه تنظيم ليس من الصعب السيطرة عليه، سواء بالأدوات الخشنة أو الناعمة.

الثانية، التنظيم ورقة مهمة لتخويف قوى أخرى مناهضة، ففي الوقت الذي انهارت فيه غالبية القوى السياسية المدنية، في عصور مصرية مختلفة، ظلت جماعة الإخوان رقما أو شبحا أساسيا، لأن طريقة التفاهم معها من قبل الأنظمة أكثر سلاسة، ويمكن ابتزازها بيسر، والتوجهات والأمنيات النهائية معروفة إلى حد كبير، وحضورها في الشارع محدود بسقف معين، في حين أن اشتداد عود قوة مدنية واحدة (يسارية أو ليبرالية) يمكن أن يجعل منها أملا يتعلق به المواطنون في حالة التذمر من السلطة الحاكمة.

الثالثة، التعويل عليها حيال فكرة البديل المخيف، ما يمنح النظام الحاكم في مصر (أي نظام) فرصة لعدم تقديم تنازلات لقوى أخرى تحاول الصعود، أو تتبنى خطابا لينا يدافع عن توسيع هامش الحريات، وهنا يستطيع النظام أن يدافع عن موقفه، بذريعة أن الإقدام على هذا النوع من الإجراءات يفتح الطريق أمام جماعة فاشية.

وازدادت أهمية هذا المنطق عقب ممارسات إقصائية وإرهابية قامت بها الجماعة إبان عام حكمها لمصر، وبعد سقوطها، حيث ارتكبت جرائم عنف ضاعفت من عدم الثقة فيها.

وكلها عوامل وفرت للنظام الحاكم حاليا درجة أكبر من الأمان إزاء تطبيق سياسة عدم توافر البديل المخيف سياسيا، لكن سوف يظل التنظيم أداة لبث الهواجس أمنيا، ما يعني أن هناك تبديلا في الأدوار، دون مساس بجوهر الوظيفة ومضمونها.

الرابعة، المخاطر الخارجية التي ينطوي عليها القضاء على التنظيم، يمكن أن تفضي إلى مشكلات سياسية مع قوى كبرى، لا تزال حريصة على رعايته، فرغم أن الحكومة المصرية قدمت وثائق مختلفة تدلل على تجاوزات التنظيم وفروعه، إلا أن عوامل الثقة به متواصلة.

لذلك حرص النظام على عدم المغالاة في الانتقام لتحاشي الدخول في مواجهات مفتوحة مع دول تتمسك بورقة الإخوان، وتعتبرها جزءا من استراتيجيتها في المنطقة، ما يجعل المباراة مستمرة، وأمامها أشواط أخرى لم تكتمل معالمها بعد.

كاتب مصري

8