لعبة شد الحبل بين الصحافة والجمهور

الجمعة 2017/06/16

قرأت للزميل كرم نعمة في العرب مقالا بعنوان: أيها الصحافيون: المشكلة فينا وليست في القراء، عن هموم صناع الأخبار وعلاقتهم بالجمهور، ولأهمية المقال وجرأة تشخيصاته، وقيمة تأصيل المفاهيم المتعلقة بنفاذ واحدة من أعقد مفردات العمل الإعلامي ومتغيراته المتمثلة بالأخبار، والتي تجري في الغالب باحترافية من مروجيها وصناعها وماكنة ضخمة لها مراميها التي لم تعد بريئة مثلما يتخيل البعض.

فقد حفزني في محصلة تجربة أربعين عاما في العمل الصحافي اليومي على أن أخوض في عالم صناعة الأخبار الذي يرى الزميل نعمة أن هناك علاقة جديدة تكاد تكون ندية، بين المخبر والجمهور، ففي الوقت الذي يدرك مغزى اهتمام الصحافيين بعالم الأخبار، والخوض في معتركاتها، وهمومها، التي أصبحت تشّغل جيوشا منهم حول العالم، يظل الخبر هو الخبر، في إطاره بأنه مرآة الواقع، وأنه انغماس لفظي، كتابي مجرد مصور بالصوت والصورة، عن واقعة أو فعل شاهده أو سمعه أو تلقاه صانع المادة الاتصالية المتمثلة بالخبر، بطريقته وخبرته ومصادره، وهذا لا يعني مطلقا أن ذلك الفعل المرئي المسموع، سيكون صداه في الصياغة والتقديم واحدا قطعا.

مازال الفقه الاتصالي لم يخلص إلى وضع قواعد ثابتة يحتكم إليها، عند تصنيف الأخبار سوى في حيز الاهتمام والموضوعات التي تغطيها، أي لا يوجد معيار جودة متفق عليه لقياس وتصنيف الأخبار، سوى محصلتا قيمها ومحتواها، أما أثرها فهذا من الصعب جدا قياسه على الجمهور، لصعوبة دراسات الأثر، التي تتطلب مجموعتين من المبحوثين واحدة لم تسمع الخبر مطلقا ولم تتعرض إليه وأخرى يحسب ردود فعلها وتأثرها بعد التعرض، ولا تعطي في المحصلة نتائج دقيقة لأنها تتعلق بالقيم المسبقة للأفراد وقناعاتهم وتوجهاتهم، بل منحى الاتجاه لديهم إزاء شبكة معقدة من القيم التي يؤمنون فيها. لذلك تخرج النتائج تقريبية غير حاسمة بالمطلق.

إنها في المحصلة ليست عملية مهنية موضوعية محايدة بالمطلق كما يدعي الإعلاميون، ويتبجحون أمام الجمهور، الذي لم يعد يصدق كل ما يقولونه، بحكم تنامي الوعي وشيوع الوسائط واحترافية الأفراد العاديين في التعامل مع ما يحدث من حولهم وتعدد الرؤى التي تؤطر بل ترافق شيوع الأخبار، فالجمهور صراحة لم يعد “فيرجن” يسمع ويتلقى مثلما يريد صناع الأخبار، بل أصبح شريكا ومراقبا منتقدا قاسيا.

اليوم الجمهور أضحى مشاركا في صناعة الأخبار، معلقا على صياغتها وجدواها وله مدى رؤيا حولها من زوايا قد يجهلها حتى صناعها، وهذه الإشكالية تضع الصحافة اليوم عموما بموضع لا تحسد عليه، بعد أن كانت تحتكر الأخبار وكأنها تملك الحقائق، وتسلك نظام تقديم الوجبة الواحدة في “منيو الأخبار”، إنها اليوم تبذل جهدا استثنائيا لإقناع جمهورها والوصول إليه، لأنه متفاعل كليا وفوريا معها، فمن الممكن أن خبرا واحدا غير دقيق أو مفبرك يُفضح، يفقدها مصداقيتها، ويُقصيها من بورصة الإعلان، ويهز ثقة الناس فيها التي هي رأسمال المؤسسة الصحافية.

وأعود لجزئية هامة تطرق إليها مقال نعمة أن ما أسماه بالاكتساح الرقمي، هو نتاج معرفي لا أظنه معيق في تداولنا للأخبار، وإن كانت مكررة، لأن هناك قيمة أخرى لم يسلط الضوء عليها وهي الصياغة وطريقة التقديم والإبراز والثقافة التي تتحكم فيها، التي تجعل تناول ذات المعلومة التي يقدمها خبر الوكالة، ولكن بمرجعية ثقة الجمهور بكُتاب بعينهم، أو بالوسيلة التي تبث الأخبار، التي يعقد معها المتلقي اتفاق “جنتل مان” افتراضيا وتطوعيا منه أن يثق فيها لأنه سبق وأن جربها مرارا واعتاد عليها، ولا يبذل جهدا لتكذيبها أو التحري في صدقيتها، وهو متلق أشبه بـ”مدمن ثقة” بوسيلته، نحن هنا نتحدث عن الملايين من المتابعين الذين لا يبذلون جهدا تحقيقيا كل يوم ليجددوا ثقتهم بالوسائل التي يأنسون إليها، أظن أن جمهور الغارديان ليس كجمهور التايمز أو لفيغارو، فكل يتلقى وهو مقتنع قيميا مع هذه الصحيفة أو تلك حد الاعتياد لأنه يدرك توجهاتها التي تحاكي معتقداته، هناك تفاعلية مرضية عند جمهور عريض من الأفراد حول العالم لا يثقون إلا بصحف ومحطات اعتادوا قراءتها أو رؤيتها والاستماع إليها، مثل اختيارهم للزوجات أو أماكن السكن، حتى وإن كانت تلك الزوجات خائنات، أو يكون السكن غير صحي، إنه الاعتياد المرضي في التلقي، فالصحف تطبع والفضائيات تبث كل دقيقة والأموال تتدفق طالما هناك مستهلكون، وليس من المهم أن يكونوا حاذقين! وإلا أغلقت تلك الوسائل أبوابها وسرحت العاملين فيها، إنها لعبة التواصل والاعتياد، بين المخبرين المهرة والجمهور المصاب بالتشكك حينا والاستسلام أحيانا.

كاتب عراقي

18