لعبة شد الحبل بين موسكو وواشنطن طرف في سوريا وطرف في أوكرانيا

الجمعة 2014/02/28
عائلات ضحايا العنف في كييف في وقفة احتجاجية

كييف - تشهد أوكرانيا منذ حوالي ثلاثة أشهر احتجاجات عنيفة بميدان الاستقلال في العاصمة كييف انطلقت بعد أن علق الرئيس المخلوع يانوكوفيتش في نوفمبر الماضي مفاوضات اتفاقية الشراكة مع الاتحاد الأوروبي وتوقيع اتفاق جمركي مع روسيا. وانتهت الاحتجاجات التي أوقعت أكثر من ثمانين قتيلا بفرار الرئيس يانوكوفيتش فيما اعتُبر ضربة إلى حليفته روسيا التي شككت في شرعية السلطة الجديدة وانتصارا للمعارضة والغرب الذي يدعمها.

لئن اعتبر الملاحظون أن صفحة يانوكوفيتش قد طويت بعدما أقاله البرلمان وعيّن أولكسندر تورتشينوف رئيسا بالوكالة في انتظار تنظيم انتخابات رئاسية في 25 مايو القادم فإن التحذيرات أصبحت جدية من حرب أهلية أو انقسام البلاد بين شرقها الناطق بالروسية ويشكل الأغلبية وغربها القومي الناطق بالأوكرانية والموالي للاتحاد الأوروبي.

بعد دخول أوكرانيا دائرة المناطق المشتعلة في العالم، كثرت التساؤلات حول مصير هذه الدولة الأوروبية السوفياتية السابقة، بعد سقوط يانوكوفيتش، والأسباب الرئيسية التي أدت إلى التغيير السياسي بقوة الاحتجاجات ودور الغرب والشرق في الأزمة وعما إذا كانت أوكرانيا مسرحا لصراع نفوذ أم أن الأمر يتعلق بنسخة جديدة من الثورة البرتقالية؟ وهل أن البلاد تشرف حقا على الانقسام والإفلاس في ظل صراع النفوذ بين روسيا والغرب؟


على الحدود


“أوكرانيا”، كلمة مكوّنة من مقطعين وتعني على الحافة أو على الحدود، ويبدو أن دولة أوكرانيا، في ظلّ الأزمة التي تمرّ بها اليوم، تشهد على أرض الواقع تجسيدا حقيقيا لاسمها. فهذه، التي تعدّ ثاني أكبر دول أوروبا الشرقية، على “حافة” أزمة مصيرية قد تؤثّر على سياسة هذه الدولة التي استقلت عن الاتحاد السوفيتي سنة 1990.

تضاف أوكرانيا إلى قائمة الدول ضحايا الثورات الملونة، وقد نشرت وسائل الإعلام في العالم صور التدمير والتخريب وأعمال الفوضى، واحتلال المباني الحكومية. كما سجلت أعداد كبيرة من القتلى والجرحى، خاصة من قوات حفظ النظام أثناء الاشتباكات بين المتظاهرين والشرطة، وانتشرت حالات خطف واعتقال ونهب وسرقات وتخريب للممتلكات والمنشآت.

أندرو وود: مهما كانت نتيجة الأزمة في أوكرانيا، فروسيا خسرت الكثير

وقد اعتبر الحزب الشيوعي الأوكراني، في بيان له، أن الأحداث الأخيرة بددت الأكاذيب التي صورت أن ما يجري وكأنه مواجهة بين (سلطة مجرمة) ومتظاهرين (سلميين ديمقراطيين). وفي الحقيقة إن ما يجري في أوكرانيا هو نتيجة صراع بين القوى الأوليغارشية على السلطة، وتحديدا على منصب رئيس أوكرانيا.

بينما أكّد مراقبون ومحلّلون استراتيجيون أن أصل ما يجري اليوم في أوكرانيا هو صراع بين الغرب وروسيا، جذوره في سوريا وفروعه تمتدّ لتصل إلى أوكرانيا.

ما تمر به أوكرانيا اليوم ذكّر بعض المراقبين بأجواء الحرب الباردة بين الولايات المتّحدة الأميركية والاتحاد السوفيتي سابقا. وأكّد ذلك وزير الخارجية الأميركي، جون كيري، الذي حذّر، في تصريح له، روسيا من خطورة الدخول في “مواجهة على نمط الحرب الباردة”، قائلا: “إن على روسيا احترام سلامة أراضي أوكرانيا، وينبغي أن تكون “حذرة جدّا” في أحكامها تجاه جارتها”.

ويعترض الدبلوماسي البريطاني، السير اندرو وورد على اقحام أوكرانيا في الصراع بين روسيا والغرب، مؤكّدا أن أوكرانيا فاعل دولي مستقّل بذاته وله الحق في أن يتصرّف وفق سياسته التي يراها مناسبة.

ويقول وورد في تحليله للملف الأوكراني، في تقرير لتاشتم هاوس، :”مهما كانت نهاية الأزمة في أوكرانيا، إذا اعتقد بوتين أنه ربح، فإنه مخطئ، فروسيا خسرت الكثير”، واصفا روسيا بـ “البلطجية”، فيما رأى أن أوكرانيا مستاءة لكنها تظهر بمظهر المطيعة في نهاية المطاف.

وحذّر ألكسندر تيرتشينوف الرئيس المؤقت للبلاد من أن أوكرانيا ستعتبر أي تحركات عسكرية روسية في شبه جزيرة القرم خارج قاعدة أسطول البحر الأسود الروسي في سيفاستوبول عدوانا.


اتفاقية تسوية الأزمة


في تقرير لها حول اتفاقية تسوية الأزمة السياسية، التي وقّعت مؤخرا بين الرئاسة والمعارضة في أوكرانيا والبرلمان، والتي تحدّ من سلطات الرئيس، قللت صحيفة “الاندبندنت” من أهمية هذه الاتفاقية التي ” تستند على الأمل، وليس على الثقة”، ولو كانت أوكرانيا دولة تتمتّع بديمقراطية مستقرة، لاعتبرنا الاتفاقية التي تم التوصل إليها تقدما ملحوظا، إلّا أنّ الأوضاع الراهنة بأوكرانيا تذكّرنا بأنّ هوّة واسعة تفصل الاتفــــاقيات عن تطبيقهـــا الفعلي. ففي الظاهر، تبدو هذه الاتفاقية جيدة، من حيث الزامها السلطات الأوكرانية بتنظيم انتخابات في ديسمبر القادم، وإعادة إرسائها لدستور 2004، وتوفقها في إيجاد توازن بين القوى الرئاسية والبرلمانية، لكن قياديي المعارضة قبلوا ببنود الاتفاقية أملا لا ثقة. فالاستسلام ليس من شيم فيكتور يانوكوفيتش الذي اعتاد توظيف النفوذ الذي يحصل عليه لاسترجاع النفوذ الذي افتك منه، وسيستغل وجوده في الرئاسة للبقاء في اللّعبة، بل وتغيير قوانينها.

محلّلون: ما يجري اليوم في أوكرانيا هو صراع بين الغرب وروسيا

ويبقى المنطق الكامن وراء الدراما الأوكرانية بسيطا وجليا. فحتى الآن، لم يخش يانوكوفيتش ما قد يكلفه انتصاره بقدر ما خشي فقدان النفوذ الذي استحوذ عليه، إذ أن الخطر الأساسي هنا، بالنسبة إليه، لا يكمن فقط في تجريده من السلطة، بل في افتكاك ممتلكاته وثرواته، وإمكانية سجنه. وهو هاجس لا ينفك يراود مساعديه كذلك، والأوليغارشية أو حكم الأقلية، الذين خدموا نضامه واستفادوا طويلا منه.

أمّا إذا كنا بصدد مواكبة تغيّر جذري للأوضاع، فسيكون ذلك تحت ظرف واحد، وهو انهيار ركائز الدعم التي لطالما استند عليها. فلو كان يانوكوفيتش يتمتع بدعم القوى المسلحة، لما أقال رئيس الأركان العامة. ولو واصل نواب البرلمان مساندته، لما طالبوا بعودة الـ”بيركوت”(شرطة مكافحة الشغب) إلى ثكنتها. حالما يدرك الشعب انهيار نظام يانوكوفيتش، سيصبح من المستحيل إيقاف النزيف المنجرّ عن ذلك.

لذلك يبقى الحذر واجبا لسببين رئيسيين، أوّلهما أنّ البلاد لم تبلغ بعد نقطة التحول، بحكم احتفاظ يانوكوفيتش بقدر من السيطرة على موارد الدولة، والتدفقات المالية، والقضاة، واللجان الانتخابية والوسائل القسرية. إذ يبقى يانوكوفيتش، إلى هذا اليوم، رئيس العصابة السياسية بالبلاد، وصاحب النفوذ فيها.

ثانيا، يجب أخذ العامل الخارجي بعين الاعتبار، وهو عامل أصبح أكثر إثارة للقلق الآن. إذ يربط الكريملين مصير ما بعد انهيار الاتحاد السوفيتي في أوكرانيا، بالأوضاع الروسية.

كما أنّ الحكومة الروسية ترى أنّ السياسة الغربية بأوكرانيا لا تستهدف يانوكوفيتش بل روسيا. فبحكم إدراكه الكامل للنفوذ القسري للمال، لم يخف فلاديمير بوتين إلحاحه على أن يعيد يانوكوفيتش النظام إلى أوضاع البلاد. كما منحت روسيا لأوكرانيا، في 17 فبراير، الشريحة الثانية من قرض يبلغ 15 مليار دولار. في الليلة التالية، هاجم البيركوت “ميدان الاستقلال”. أمّا محادثات الليلة الفارطة فقد أدّت إلى تجميد النفقات من جديد.
ألكسندر تيرتشينوف: أية تحركات عسكرية روسية في القرم ستعتبر عدوانا

ويكمن اللغز المخيف الآن في وسائل الضغط الأخرى التي يمكن لروسيا استعمالها. فقد هدّد فاليري غيراسيموف، رئيس الأركان العامة الروسية، باحتمال لجوء روسيا إلى تنقيح “مجموعة التدابير التي من شأنها تحويل البلاد إلى مرحلة حرب المساواة”. وهو تهديد نجد حاليا صداه لدى العديد من أصحاب النفوذ الذين يصعّدون خطر انهيار أوكرانيا. أمام هذ الوضع يتعين على الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أن يتخذ قرارا بخصوص أوكرانيا من المرجح أن يصوغ الملامح النهائية لدوره السياسي في تاريخ بلاده، وكذلك مستقبل جارة روسيا الغربية التي وقعت في معركة شد وجذب بين الشرق والغرب تتردد في جنبات ساحتها أصداء الحرب الباردة.

لكن هل يستطيع بوتين أن يقبل مثل هذه الهزيمة المهينة في لعبة شد الحبل التي كان يبدو حتى أيام قليلة خلت الفائز فيها. ستكون ضربة موجعة بوجه خاص في وقت لا يحقق فيه إنجازه الكبير في مجال السياسة الخارجية لعام 2013 – وهو الحصول على موافقة دمشق على تسليم أسلحتها الكيميائية لتفادي خطر التعرض لضربات عسكرية أميركية – إلا تقدما بطيئا. ولم تحقق مبادرة روسيا المشتركة مع الولايات المتحدة للجمع بين طرفي الصراع في سوريا في محادثات للسلام في سويسرا تقدما يذكر كذلك. وإذا دارت أوكرانيا على عقبيها ثانية وسارت نحو الاتحاد الأوروبي فسيمنى بوتين بنكسة في مجال السياسة الخارجية قد يكون وقعها سيئا على وجه الخصوص في الداخل.

خوض معركة بسبب أوكرانيا أو الدخول في مزايدة جديدة مع الاتحاد الأوروبي لكسب نفوذ على الدولة التي تعاني من ضائقة مالية أمر ينطوي على مجازفة بالنسبة إلى بوتين الذي يواجه أزمة داخلية ومعارضة في روسيا تضاعف من أعباء الكرملين.

6