لعبة شطرنج مستحيلة بين البيادق والقلاع والأحصنة

آنّا بوغيغيان تصمم لعبة فنية مثيرة تقوم على الخطوط والمربعات وأدوار السياسة والفكر.
الأحد 2019/11/03
صراع الجنود والمتظاهرين

باريس - وُلدت الفنانة من أصول أرمنيّة آنّا بوغيغيان في القاهرة عام 1946، ودرست العلوم السياسية في مصر والفنون في كندا، وعُرفت برسوماتها المرتبطة بنصوص شعراء كقسطنطين كفافيس وجوزيبي أونغاريتي وغيرهم، إلى جانب اشتغالها الفني على الموضوعات السياسية والاقتصادية وأثرها على الشرط البشري، إذ يتداخل في أعمالها التجهيز والرسم مع تاريخ السرد والأساطير ، كما تنقّلت بين مختلف أنحاء العالم،  شرقا وغربا، لتستقر في القاهرة  في مرسمها الواقع في جزيرة وسط نهر النيل، وفي السنوات الأخيرة أقامت عددا من المعارض في العالم وفي الشرق الأوسط آخرها في بيت سركال في  الشارقة، كما رشحت بعدها لجائزة  أرتس ووندي البريطانيّ.

دُعيت بوغيغيان إلى باريس هذا العام في إطار مهرجان الخريف ضمن إقامة فنية في المدرسة العليا للفنون في باريس، أنجزت إثرها عمليْ تجهيز ضخمين افتُتحا مؤخرا تحت اسم “المربع، الخط، المسطرة”، وهما رقعتا شطرنج كبيرتان، متواجهتان، الأولى بيادقها تقسّم إلى جنود بمواجهة محتجين ومتظاهرين، والثانية بيادقها مُفكرون وشعراء بمواجهة سياسيين ينتمون إلى مختلف العصور، وكأننا أمام مستويين من الصراع بين جهاز بشري يقمع الثائرين، وآخر أيديولجي رسمي يواجه المفكرين والفنانين.

وظيفة البيدق تتداخل مع صورته
العلاقة بين السياسي واللاجدي التي تفعّلها بوغيغيان، لا تكتسب قيمتها من مفهوم "البيادق" فقط، بل من تقنيات التأويل التي نمتلكها عن كل واحدة من الشخصيات والدور الذي يمكن أن تلعبه

البيادق مصنوعة من الورق، ورسمت عليها بوغيغيان باليد، لتُلصقها بعدها على قوالب خشبية تعلق نهاية من السقف وأسفلها رُقع اللعب، لنرى أنفسنا أمام بيادق ورقعة شطرنج يمكن للزوار أن يلعبوا بها، ويشاركوا في دوري نظّمه اتحاد الشطرنج الفرنسي، لتتحرك البيادق بين قوانين لعبة الشطرنج وبين هالة العمل الفنية، إذ تتبدل أمام أعين اللاعبين-المشاهدين “هوية” كل بيدق، فهل هو الصورة التي يحملها أو الدور الذي يختزنه كقطعة للعب الشطرنج ذات وظيفة محددة وحركة مضبوطة لا يمكن تغييرها؟ فأيّ خلل يعني بطلان اللعبة.

يبدو العملان في البداية ساذجين أو بريئين، لكن، حين نبدأ باللعب، نكتشف السبب وراء تضخيم البيادق، والذي يتجلى في  الزمن اللازم لحركة كل واحد منها، إذ تتداخل وظيفة البيدق مع صورته، فحينما نحرّك الملكة إليزابيث بوجه غاندي، يدفعنا البطء إلى استعادة الحكايات المرتبطة بالاثنين، و يفتح في ذات الوقت الباب على احتمالات جديدة للمعنى، فإن حرّكنا الخميني بوجه ستيفين هوكينج، كيف ستكون المواجهة بينهما فكريا؟

البيادق مصنوعة من الورق، ورسمت عليها بوغيغيان باليد، لتُلصقها بعدها على قوالب خشبية تعلق نهاية من السقف وأسفلها رُقع اللعب، لنرى أنفسنا أمام بيادق ورقعة شطرنج يمكن للزوار أن يلعبوا بها، ويشاركوا في دوري نظّمه اتحاد الشطرنج الفرنسي، لتتحرك البيادق بين قوانين لعبة الشطرنج وبين هالة العمل الفنية

والأهم، ما هي طبيعة الدور الذي يلعبه كل واحد منهم كحجر على رقعة الشطرنج ذي حركة خاصة وربما قوة أكثر من الآخر، لنرى أنفسنا أمام “لعبة ضمن لعبة” تحدث داخل عقولنا، خصوصا أن الأمر يزداد غرابة حين نلعب في الرقعة التي تحوي جنودا ومتظاهرين، إذ يظهر السؤال، أيّ فريق سنختار، ولماذا؟ هذه الأسئلة على سذاجتها تزداد حينما نبدأ باللعب ونصل إلى لحظة “كش ملك”، فهل سنهلل للشرطة إن فازوا؟

شعرية اللعب

يستدعي اختيار بوغيغيان لرقعة الشطرنج مفهوم الـsubjectivité، أي أن الواحد منا كالبيدق له دوره المرسوم والمحدد، الذي يتحرك ضمنه ولا يستطيع كسر قواعده، لأن أي سوء لعب أو أداء قد يعني الطرد من “اللعبة”، الأمر الذي نراه في الأدوار الاجتماعية والصراع الذي يُنتج تعديلاتها البسيطة، والذي يتجلى في الحياة “الواقعية” بالمواجهة التي تقودها الشرطة والسياسيين ضد الثائرين والمفكرين، فكلهم يتحركون ضمن أدوراهم في محاولة لدفع حدودها وتغييرها.

هذه العلاقة بين السياسي واللاجدي التي تفعّلها بوغيغيان ضمن شروط اللعبة، لا تكتسب قيمتها من مفهوم “البيادق” فقط، بل من تقنيات التأويل التي نمتلكها عن كل واحدة من الشخصيات والدور الذي يمكن أن تلعبه، فإطار التأويل يتخلخل ونحن نحرك البيادق، فهل يمكن لألبيرت أينشاتين أن يكون “قلعة” قادرة على الإطاحة بالديكتاتور عيدي أمين دادا.

مساحات النزاع المستحيلة
مساحات النزاع المستحيلة

هذه التساؤلات عن إطار التأويل واللعب تجعل اللعبة تستمر حتى بعد انتهائنا منها، فما الذي يجعلنا نسلّم بدور سياسي ما وأخذه على محمل الجد في الوقت الذي يكون فيه قادرا على الإطاحة بشاعر، أو سجنه، وما دور البيادق الأخرى في تمكين سطوته؟

الشخصيات المتعددة التي تمثلها البيادق وعلاقتها مع التاريخ والأماكن المختلفة ترتبط بموقف بوغيغيان الفني والسياسي، إذ  قضت أغلب حياتها تنتقل بين البلدان والأماكن شاربة من أفكارها وتجارب سكانها لتعكسها ضمن أعمالها، ما يجعل كل رقعة شطرنج أقرب إلى مساحة مستحيلة لا تتواجه الشخوص التي فيها إلا ضمن المربعات الملونة، المقسّمة بدقة، أشبه بقائمة مستحيلة لحرب تختزل التاريخ بلعبة فيها فريقان فقط.

الشمع والأذن المفقودة

تستخدم بوغيغيان في تلوين ورسم  بعض البيادق الألوان الشمعية التي رافقتها منذ أن كانت طالبة في السبعينات حتى الآن، ما يكسب البيادق-اللوحات ثخانة من نوع ما، وملمسا يجعلها ذات خطوط واضحة وقابلة للتفتت، وذات شفافيات مختلفة. وتقول بوغيغيان في وصفها للشمع بأنه “يجعل السطح رقيقا في بعض الأحيان وسميكا في الأحيان الأخرى، أشبه بالرخام، فالشمع كالحياة التي نعيشها، فنحن ننطفئ في النهاية حين نموت”.

تخطيطات ونصوص للبحث عن الأذن المفقودة
تخطيطات ونصوص للبحث عن الأذن المفقودة

تفتقد بعض البيادق-الشخصيات أُذنا أو اثنتين، الأمر الذي لا يثير الاهتمام إذا أخذنا بعين الاعتبار الوضعيات التي ترسمها بوغيغيان، لكن علاقتها  الخاصة مع السمع، والأذن حصرا أهم من أن لا تتم ملاحظتها، إذ اشتغلت في منتصف التسعينات على “الأذن” ورسمت المئات منها، كما أنها بدأت تفقد سمعها تدريجيا، وتصف هذه الخبرة الحسية بقولها “هناك ثلاثة أنوع من الأذن في أعمالي، الميتافيزيقية، تلك التي نسمع فيها ما لا علاقة له بالعالم المادي والمجتمع، والأذن المادية التي نسمع فيها الأصوات من حولنا، والأذن الاجتماعية، التي تتيح لنا أن ندرك ما حولنا”.

ومن هنا يمكن تفسير غياب أذني بعض البيادق التي رسمت عليها جنودا وسياسيين، وكأنهم لا يسمعون صوت المتظاهرين والثائرين، بل فقط ينفذون حركاتهم وأدوارهم القمعية بدقة، دون أي وعي بها أو بأثرها.

13