لعبة نار فوق البارود

السبت 2014/11/01

بعد أن تجاوز الصراع مع “داعش” قدرة المجتمع الدولي على حسمه عسكريا، عادت واشنطن إلى خياراتها القديمة في تسليح المعارضة السورية لكن بأسلحة فتاكة هذه المرة.

إن خيار تسليح المعارضة “المعتدلة” وتدريب مقاتليها لخوض مواجهات مدروسة مع “داعش”، ومواجهات يفترض أن تكون أعنف مع قوات النظام السوري الواجب إسقاطه بأي طريقة، ما هو إلا فتح باب خلفي لواشنطن في محاولة التأثير في الأزمة السورية بحيث تمنع إيران من زيادة مكاسبها، وتكون المستفيد الوحيد في المنطقة لمجرد أنها تمسك بأوراق النظام السوري، كما يبعد واشنطن، بشكل أو بآخر، عن الغرق في مشاكل المنطقة وهذا ما يبدو واضحا في العمليات المحدودة ومدفوعة التكاليف التي قد لا توصل إلى شيء، فكل ما يجري مرهون بشروط الميدان، ونتائج الحروب لا تأتي بنفس الدقة المتوقعة، ولهذا على الأوضاع أن تتغير لصالح المتحالفين، على الأقل، في نقطة إسقاط النظام السوري وتهيئة الأجواء لنظام أكثر قبولا لدى المتحالفين.

بغض النظر عن بقاء النظام أو سقوطه، ينطوي خيار تسليح المعارضة على الكثير من الإرباكات التي لم يجر حسابها بدقة، إذ أن المعارضة “المعتدلة” في أوج نشاطها كانت منقسمة على نفسها، ولم تنجح محاولات واشنطن مع “أصدقاء سوريا” في لملمة صفوفها لتشكيل فصيل سياسي قادر على اكتساب مد جماهيري، ويكون قادرا على قلب الموازيين وإسقاط النظام السوري، كما أنه في مرحلة سابقة بذلت بعض الدول جهودا كبيرة لبناء جبهة لمقاتلي المعارضة المعتدلين، ورغم ما توفر لهذه الجبهة من دعم مالي وعسكري، فشلت في منافسة التيارات الدينية المتطرفة وأعلنت إفلاسها أمام “داعش”، وتحول شكل الصراع من صراع بين المعارضة والسلطة، إلى صراع بين ثلاثة أقطاب متحاربة، السلطة والمعارضة ودولة الخلافة.

إن تسليح المعارضة السورية يدل على التخلي النهائي عن السعي لإيجاد بوادر حل سلمي سياسي ينقذ ما تبقى، والاستمرار في الحرب الدائرة في سوريا إلى أمد غير محدود. فحلفاء النظام السوري، روسيا وإيران، لن يترددا في فعل الأمر ذاته، مما يعني إطالة أمد الصراع والدخول في حرب استنزاف داخلية لن يتمكن أي طرف من حسمها، لما لها من معطيات خاصة تندرج تحت سقفها، أقلها الأحقاد الناتجة عن القتل المتبادل بين قوات النظام والمعارضة والتي لا يمكن تجاهلها، وستكون تداعياتها مدخلا لبلوغ مرحلة الصدام الطائفي، خصوصا بعد أربع سنين من الاقتتال تحولت فيها سوريا إلى ساحة مفتوحة للحروب الأهلية ولتصفية حسابات دولية وإقليمية، وتعددت تشكيلات القوى المعارضة وبعضها مبني على أساس عرقي وطائفي، وهذا سيمهد الطريق نحو تحولها إلى ميليشيات لها مطالبها الخاصة وتصعب السيطرة عليها مستقبلا، وهو ما تشير إليه التجربة الليبية، وهو ما يزيد من خطر انفصال الأراضي السورية وتفتيها على أسس دينية وعرقية ومذهبية، ويهدد بحرب أهلية حقيقية لن تثمر إلا تدمير الدولة السورية والسقوط في حالة الاقتتال العبثي التي لن تقدم سوى سنوات مؤلمة أخرى سيعيشها الشعب السوري، فالجميع لديهم أجنداتهم التي تغرقه بكافة تفاصيلها في مزيد من الدماء.

إن إمداد السوريين بما يمكنهم من قتل بعضهم البعض، لن يساهم في حماية الشعب السوري، إنما سينتج مزيدا من الضحايا والدمار، فالحل الأمثل لما يجري على الأرض السورية يكمن في تجفيف منابع التسليح والدعم للمجموعات والفصائل المتصارعة، وليس عبر ضخ المزيد من السلاح في سوريا، وتقديم لعبة نار أخرى تلعب فوق منطقة مجبولة بالبارود والتعصب والاقتتال الطائفي والمذهبي.


كاتبة ورسامة سورية

9