لعبة نيوتن.. شخصيات أسيرة الماضي يكشفها الحلم الأميركي

في "لعبة نيوتن" هذا هو الإنسان.. ضعيف، تائه وغريب.
الأحد 2021/06/13
الحلم الأميركي خلف سياج الذكورة

كانت الدراما المصرية في عهدها الذهبي إحدى القوى الناعمة التي ساهمت في نشر الكثير من الأفكار، كما اضطلعت أيضًا بدور مهم في تصحيح بعض المفاهيم الخاطئة المتعلقة بالهوية والمواطنة والتسامح الديني والتطرف وجذوره على نحو ما فعلت مسلسلات "أرابيسك" و"بوابة الحلواني" و"العائلة" و"ليالي الحلمية" و"قهوة الموردي" وغيرها من أعمال حفرت في وجدان الشارع العربي علامات مُهمّة. لكن المسلسلات الجديدة حادت عن ذلك الطريق.

لو نظرنا إلى ما قدم من مسلسلات هذا العام لوجدنا أن منتجي الدراما يغردون بعيدًا عن الواقع وقضاياه المتشابكة، يثيرون قضايا لا تحدث إلا في مخيلاتهم وحدهم، ينسجون حكايات عن مجتمعات الكومبوندات، وقصص التوجيه المعنوي بعيدة عن القضايا الشائكة التي يعج بها المجتمع.

تناولت بعض الأعمال حكايات أبناء الأثرياء الذين لا همّ لهم إلا الإيقاع بفتيات أبناء البسطاء، والعدالة لا تتم وفق مسارها الطبيعي، وإنما بألاعيب وحيل المحامين والبلطجة، أما الحارة المصرية التي كانت هي مثار الأصالة والفخر والمثال النادر في الحفاظ عن القيم والعادات المصرية، صارت نموذجًا صارخًا للعنف والبلطجة، وإثارة الشقاق وخرق المحرمات والقيم، هكذا قدمت الدراما صورة مشوّهة عن واقعنا وعن كثير من المهن التي ننظر إليها باحترام، حتى تلك التي تشابكت مع الواقع كانت على مسافة بعيدة منه، أخذت شكله الخارجي دون الخوض في روحه وتفاصيله وقضاياه.

الحلم الأميركي

ثمّة قلة من الأعمال الدرامية غردت خارج السّرب، وطرح صُناعها قضايا جادة وإشكالية، والأهم أنها استطاعت أن تحجز لها موقعًا متميّزًا لدى المشاهدين. ومن هذه الأعمال مسلسل “لعبة نيوتن” للمخرج تامر محسن الذي انفرد في سباق موسم دراما رمضان 2021 بنسبة مشاهدة عالية لم تتوقف على المشاهدة فقط، بل وإثارة الجدل بأسئلة الجمهور مع نهاية كل حلقة.

مسلسل لعبة نيوتن شارك في كتابته تامر محسن كمؤلف وصاحب القصة، مع مها الوزير بالسيناريو والإشراف على فريق الكتابة الذي يضم عمّار صبري وسمر عبدالناصر ومحمد الشخيبي، في تكرار لتجربة ورش الكتابة التي تسم الكثير من مسلسلات هذا العام مثل مسلسلي “خلي بالك من زيزي” و”الطاووس” وغيرهما.

منذ الحلقة الأولى للمسلسل وضعنا المخرج وفريقه أمام هاجس الحُلم الأميركي عبر رغبة الزوجين هناء (منى زكي) وحازم (محمد ممدوح) في أن يولد ابنهما القادم – وهو الذي حصلا عليه بعد عناء وإجراء عملية تلقيح صناعي – في الولايات المتحدة وأن يحصل على الباسبور الأخضر. وقد تهيأت الفرصة لهما مع ذهاب الزوجة إلى الولايات المتحدة للمشاركة في مؤتمر زراعي برفقة وفد من جهة عملها حيث تعمل باحثة في وزارة الزراعة. وبناء على خطة أعداها سويًّا (لم تنجح تمامًا) بأن تتخلّف الزوجة عن الوفد، على أن يلحق بها الزوج في ما بعد، لكنه يفشل بسبب تعرّضه لعملية نصب أثناء الحصول على التأشيرة بطريقة غير شرعيّة.

دراما تناقش قضايا مهمة، وإن شابتها بعض السلوكيات التي يسعى منتجو الدراما بين الفينة والأخرى لتكريسها
دراما تناقش قضايا مهمة، وإن شابتها بعض السلوكيات التي يسعى منتجو الدراما بين الفينة والأخرى لتكريسها

إلى هنا تبدو القصة عادية، وقد سبق أن قدمت السينما تنويعات متعدّدة على التيمة الأساسيّة على نحو ما ذهب فيلم “طلق صناعي” لماجد الكدواني وحورية فرغلي. هُنا يتجاوز صناع المسلسل فكرة الحلم الأميركي بحصول الزوجين على الجنسية، إلى الرغبة في منحها لابنهما القادم، وهو ما يعكس تبدُّل سُلم الأولويات، فغدا الاهتمام بالأبناء أحد أهم الأولويات التي تواجهها الأسرة، وتضحي في سبيلها بالغالي والنفيس إذ تتطلع إلى تعليمهم في المدارس الأجنبية، أو الارتقاء الاجتماعي بالحصول على الجنسية الأميركية، وبمعنى أدق توفير سبل للحياة أفضل من تلك التي عاشوها.

شغلت هذه التيمة تفكير المشاهدين منذ الحلقات الأولى من المسلسل، وبدأت المشاركات التفاعليّة بين المحتوى الدرامي والمتلقين عبر وسائل التواصل الاجتماعيّ في نسج حلول للخروج من هذا المأزق، وتخيّل حيل الزوج للحاق بزوجته التي لا يثق فيها، وكيف ستواجه المجتمع الجديد، وهي بعيدة عنه لغة وثقافة، وما مدى قدرتها على حلّ المشكلات العويصة، وهي التي فشلت من قبل في فتح باب الحمام، في أحد المشاهد التي أرادت أن تظهر سلطوية الزوج، في مقابل ضعف/ عجز الزوجة، وهو ما كان يسمح له باستغلالها وتقزيمها، وهو ما يسعى لتأكيده بمتابعتها أثناء عبورها من المطار، وتوجيهاته لها بماذا يجب أن تفعل، وهو ما كان يُعرِّضها لأزمة استخدام الهاتف أثناء إنهاء إجراءات الوصول.

تُقرّر هناء في أوّل تحدٍّ حقيقي للزوج للخروج عن الدائرة الذكوريّة المسيّجة التي وضعها فيها استكمال ما انتوته، فتتخلف عن رحلة العودة مع الوفد، ثمّ ترفض كل محاولات الضغط والتهديد من الزوج بالرجوع قبل الولادة. وهنا يضعنا منتجو المسلسل في حالة ترقُّب واختبار للزوجة، وتساؤلات من قبيل: هل ستنجح وتتمرد وتصبح مثل نورا بطلة مسرحية “بيت الدمية” لإبسن؟ أم أنها ستفشل ومن ثمّ تستحق هذه الوصايا الذكورية؟ وبالتالي اللوم والتأنيب على الخروج من جنة الذكورية؟

بقدر ما استطاعت الزوجة أن تثبت للزوج منعدم الثقة بها أنها قادرةٌ على الانفصال عنه والاعتماد على نفسها، وهو الأمر الذي منحها ثقة – نوعًا ما – جعلتها ترفض إلحاحه المتواصل بالرد على اتصالاته ورسائله، وقدرتها على الخوض في تجربة العيش وحيدةً في مجتمع غريب عنها، وقد نجحت بالفعل على الرغم مما انتابها من مضايقات وسرقة وغيرها، ومع هذا كله إلا أنها تعود إلى المربع صفر، فتضيع الطفل الوليد (إبراهيم) منها بعدما ظهرت الأم بصورة المضطربة نفسيًّا وهي في حالة هلع وخوف بعد الولادة ناتجة عن ضغوطات الوحدة والاعتماد على الذات، علاوة على إكراهات الزوج بتهديدها بالطلاق وهو ما يحدث، حيث ترفض المستشفى منحها الطفل خوفًا على سلامته.

مع هذه الحادثة غير المتوقعة (الطلاق الشفهي) تنقلب أحداث المسلسل رأسًا على عقب، فيدخل بناء الإطار الدرامي في صُلْب الإشكالية التي بُني عليها، وهي الإشكالية المتعلقة بالطلاق الشفهي والردّ الغيابي، هل هو نافذ الوجوب أم لا يُعتد به؟ علاوة على مأزق الطفل الوليد ومحاولة استرداده، وهو الأمر الذي يزج بالبطلة في فخ سلطة آخر، وكأن قدرها الانفصال عن سلطة مُكبِّلَة، للوقوع في براثن أخرى مقيدة، جاءت هذه المرة في صورة الشيخ مؤنس الليثي (محمد فرّاج)، وهو محام دولي ورجل أعمال مصري ومسؤول عن الجالية المصرية هناك، في البداية يلوذ به حازم للبحث عن زوجته، ولكن ما إن يتلقيها حتى تتبدل نظرته إليها.

مع الخط الدراميّ لحكاية هناء وحازم تنفتح أحداث المسلسل على خيوط متوازية، وتتشابك الحكاية الأصليّة (هناء – حازم) مع حكايات فرعيّة تتوزّع في شبكة من العلاقات تجمع بين مؤنس – حازم، حازم – بدر، أمينة – بدر، أمينة – حازم، سارة – مؤنس، وهو ما أدّى في الغالب إلى توهان الخط الأصلي من الحكاية إلى حكايات تبدو ملغزة في كثير منها، هكذا تتشابك الشخصيات بحكايات تتفرع عن الحكاية الأصلية، وإن كان الطرفان الأساسيان (حازم – هناء) بمثابة المشترك الأساسي في جميع الحكايات عن طريق حضور تأثيرهما (بالإيجاب أو السلب) على جميع الشخصيات الأخرى. وإن كان ثمة مشترك آخر يتمثّل في أن كل شخصية من هذه الشخصيات المحورية: حازم، بدر ومؤنس تقبع خلفها أزمة مستترة، هي التي تدفع به إلى هذا المسار المعقد، وهو ما تكشف عنه أحداث المسلسل تباعًا.

مطرقة نيوتن

استطاعت هناء مع قرار عدم عودتها مع أعضاء الوفد أن تتحرّر فعلاً من قيود حازم، وتنفلت من قوّة جذب مغناطيسه، وبالفعل حقّقت القانون الأول لنيوتن “الجسم الساكن يبقى ساكناً، والجسم المتحرّك يبقى متحركاً، ما لم تؤثر عليه قوى ما”، فكان ضغط حازم (كقوى مؤثرة) بتذكيرها دومًا بأنها فاشلة وغير قادرة على القيام بشيء، بمثابة القوى (الفعل) التي أثَّرت على الجسم الساكن/ هناء، والراضخ لسلطة الجسم المتحرك/ حازم، الذي يدير الأمور وفقًا لمنظوره الذكوري المتسلّط، دون الاعتبار لأنها شريكة معه، فالعلاقة قائمة بينهما على شراكة فعلية بالزواج والعمل.

وبالمثل تحرّر ابنة بدر منه كان بمثابة القوى التي هزت كيان رجل الصناعة، وأثرت على الجسم المتحرك وتحوّل إلى السكون والروحانية التي بدا عليها بدر (سيد رجب).

هكذا اتخذت الشخصيات الواقع عليها الفعل، ردة فعل عنيفة ضدّ مصدر أو مسبب الفعل، كما يقول القانون الثالث لنيوتن “لكل فعل قوة رد فعل، مساوية له في المقدار ومعاكسة له في الاتجاه”.

هناء لم تكن ردة فعلها مساويّةً لقوة فعل حازم، بل فاقتها تأثيرًا، وكانت أشبه بالمطرقة التي نزلت على رأس حازم وجسده الضخمين، فأفقدتهما توازنهما، ومن ثم كانت كل ردات فعله اللاحقة من تأثير ردة فعلها الأول، فيدخل في علاقة مفتوحة مع أمينة صديقة بدر، بل يتمرد على شكله الكلاسيكي، ويسعى للتغيير كلية، وكأن قوة ردة الفعل على فشله في عمله، واتهامه من قبل والديه بأنه فاشل وعدم محافظته على زوجته ألزمته تغييرًا جذريًّا.

ومع هذا فقد ظل كل منهما ينجذب إلى مصدر القرص/ العسل؛ هي برفضها إقامة علاقة مع مؤنس، حتى مع حصولها على ورقة الطلاق التي أخفت استلامها عنه، وكذلك في لحظة انهيارها أثناء استلامها الورقة. وهو بمراوغته برفض تطليقها وانسحابه من كل موعد لحدوث الطلاق، ولهفته عليها بعد عودتها إليه في منتصف الليل بملابس النوم من عند مؤنس لائذة به.

شبح الماضي

شخصيات تعاني من أزمة في التنشئة
شخصيات تعاني من أزمة في التنشئة

تَكْمُنُ رواسب الماضي وأزماته وراء توتر علاقة الشخصيات مع بعضها البعض. فقد عانت الشخصيات من إهمال وحرمان، وكذلك من قهر معنوي مارسته الأسرة التي لم تكن لها سندًا، بل كانت حملاً ثقيلاً.

خلف شخصية حازم المتسلِّط والذي يُمارس عنفًا ماديًّا (بالطلاق) ولفظيًّا (بالإهانات التي تتكرَّر في كل أحاديثه لهناء ولمؤنس) أب مُحْبِط له، دائمًا يضعه في مقارنة بينه وبين أخيه، يعتبره فاشلاً مقارنة بأخيه الأصغر، وهو ما كان له تأثيره على حياته، فيطرد من البنك الذي يعمل فيه، ويمارس أزمته بالإزاحة على زوجته.

وربما كانت شخصية بيج زي (أدهم الشرقاوي) أكثر من لخص العلاقة الجدلية بين الآباء والأبناء، في مشهد حضور الأب ليعطي له النقود، بجملة واحدة دالة “ده آخره” في إشارة إلى أن ما يحكم العلاقة بين الطرفين هو الماديات لا العواطف والمشاعر الصادقة.

وتكمن خلف عواطف مؤنس الجيّاشة التي ظهرت عند استرداد هَناء لابنها في المحكمة، أزمة حرمان من الأم (الراقصة)، التي صورها له الأب بصورة مقيتة، وكأنه ببكائه وجد العوض عن افتقاده لقيمة الأم في حياته، وخلف أزمة بدر ابنة هجرته، وكان لهذا تأثيره الكبير على شخصيته، وهو رجل الصناعة المشهود له بالانضباط، تخلّى عن هذا كله وانزوى على نفسه، يعيش في حالة روحانيّة وإن بدا قاسيا بعض الشيء، يسعى إلى تعويض الآخرين على نحو علاقته بأمينة (عائشة بن أحمد).

هكذا يجمع بين هذه الشخصيات وجود أزمة في التنشئة هي غير مسؤولة عنها، وإن كانت تتحمل إثمها بالإنابة. وهذه الأزمة هي المسؤولة الوحيدة عن ردة الفعل العنيفة التي تُعبّر بها هذه الشخصيات، وما يصيبها من تحولات وتوهان كما في حالتي حازم وهنا. فهناء بعد عودتها من الولايات المتحدة وأثناء زيارة لأمها في المستشفى، تسعى لأن تثبت لها نجاحها الذي كانت تنكره الأم من قبل، فتقول لها وهي في غيبوبة لا تسمعها “أنا جيت صاغ سليم، جبت إبراهيم، من بوق (فم) السبع، حافظت على النعمة، قومي يا ماما، شوفي (انظري) حفيدك وباسبوره، مش كنت تقولي لي حالوص (سوف أتوه). أنا كنت مستنية (منتظرة) اللحظة اللي أخرج فيها من المطار، وإبراهيم على إيدي والباسبور في إيدي الثانية، عشان أبص (أنظر) لك أنت وحازم في عينيكم وأقول إني عملتها، مبقتش خايبة (فاشلة) خلاص”.

وحازم بعد لحظات تأنيب الأب له، يهاجمه بضراوة ويقول له إنه هو السبب، ومع هذا – كما يتوهم – لقد نجحت، دون أن يدري أنه هو الآخر في مأزق – في إشارة إلى أن كليهما تائه ببعده عن الآخر – وإذا كان هو من قبل صاحب سلطة تخضع له هناء، بغيابها يفقد سلطته، بل يصير مقودا/ تابعا لصاحب سلطة آخر هو بدر، وبعد أن يتورط حازم في قتل شاهين الذي هدم منحله، يخضع تمامًا لسلطة بدر الذي يطلب منه أن يصنع له عسلاً بالأفيون.

ومع الأسف تكرّر هذه الشخصيات أخطاء الماضي، فلا حازم أو هناء يعتنيان بابنهما إبراهيم. بل يتركانه في رعاية مربية أجنبية ويارا أخت هناء. وبدر يمارس وصايته القاهِرة على أمينة خشية أن تهجره مثل ابنته، ونفس الشيء يفعله مؤنس في اعتقاد منه أن يستطيع إصلاح ما أفسده الدهر، وهو ما نراه في تلميحاته لزوجته سارة التي تشي بأنها لم تكن على هذه الصورة التي تبدو عليها كامرأة مسلمة محجبة وملتزمة بتعاليم الإسلام في صرامة.

منتجو المسلسل يتجاوزون فكرة الحلم الأميركي بحصول الزوجين على الجنسية إلى الرغبة في منحها لابنهما القادم

يطرح المسلسل صورة نمطية لرجل الدين عبر صورة الشيخ مؤنس الليثي (محمد فرّاج)، فيقدمه على أنه نموذج لرجل الدين المودرن/ العصري، الذي يوظّف الدين لخدمة أغراضه، فالدين بالنسبة إليه ليس غاية بل وسيلة، فهو بمثابة العصمة التي يحتمي بها ليمرر ما يريد الحصول عليه، فيُشْهر ورقة الدين كحصانة له في كل مواقفه الضعيفة، فعبره يقدم حججه المقنعة لهناء بأن الطلاق قد وقع ليبرر الزواج منها، وفي الوقت ذاته يقنع سارة (آلاء سنان)، بأحقيته في الزواج من هناء، كما يعرض على هناء كحل مؤقت وضروري للخروج من مأزق الطفل أن يكتب الاسم باسمه، في مخالفة صريحة لأحكام الدين التي يُلزم غيره بها ويعلن في نفس الوقت أنه ملتزم بها، وأنه في كل ما يفعل لا يخالف أمر الله.

ومع هذا فقد أجاد محمد فراج تقمّص الدور المرسوم بعناية فائقة، فدخل إلى أعماق الشخصية وتفاصيلها، فأجاد التعبير عنها بكل سلاسة وأريحية، في تعبيراته وحركاته وانفعالاته، وأيضًا في هواجسه المشبوبة برغبة إقامة علاقة مع هناء، وهو ما يظهر في مشهد إمامته للصلاة، ونسيانه للآية في دلالة على انصراف ذهنه إليها.

تبدو الصورة مع إيجابية الأداء نمطية لرجل الدين المتناقض الذي يستغل الدين لصالحه، وقد تتغلب عواطفه عليه. ومع الأسف تشوِّه الدين أصلاً، وكأن الدين لم يقدم سوى مثل هذه الشخصيات غير السّويّة، فمؤنس نفسه مقاطع لأمه الحقيقية، ويرفضها بشكل قاطع، وقد بنى إدانته لها بما كرّسه الأب في ذهنه، دون محاولة – يستوجبها الدين – أن يرفق بها، أو حتى يُعطيها فرصة الدفاع عن نفسها، علاوة على أن إخوته البنات يظهرن بصورة نقيضة لما يدعوه إليهن الحجاب، فيَحِكْن المؤامرات ضدّ زوجته، ويتجسسن على حياتها الشخصية، وفي مرحلة لاحقة تستولي إحداهن على لهاية الطفل “التيتينا” في إشارة لإجراء تحليل الحمض النووي.

لا يخفى على المشاهد اعتناء المخرج بالتفاصيل الصغيرة، وما تحدثه من تأثيرات بالغة الأهمية على الأحداث، فمثلا حمل مؤنس للقرآن أثناء اشتباك حازم معه، يأتي كنوع من اتخاد الدين حصانة له في كل قراراته، وهي لعبة الدين وإشهاره في وجه الآخر لكسب المعركة منه من قبل فعلها مع سارة عندما أقنعها بزواجه من هناء وبكتابة ابنها باسمه.

ومنها ما يعكس طبيعة الشخصية الداخلية على نحو مشهد الممثل سيد رجب – بدر، وهو يقرأ كتاب “هذا هو الإنسان” لنيتشه، فالصورة الخارجية لبدر أنه إنسان شرير، يُمسك خيوط اللعبة بيده، يجعل الشخصيات أشبه بدُمى، يتغاضى عن مقتل حازم لشاهين كي يستغل حازم في صناعة عسل بالأفيون لعلاج أمينة، ويوجه حازم لأمينة ويقول له خذها، ويمنع حازم من السفر لهناء.

لكن الحقيقة غير هذا، وهو ما عكسه هذا المشهد، فكتاب نيتشه “هذا هو الإنسان” مَعنيٌّ بالوجود الإنساني الأعلى واغتراب الإنسان ومحاولة قهر اغترابه، وفيه شبّه نيتشه نفسه بالمسيح في إزالة آلام الناس، وحرصه على خروج الإنسان من مرحلة الديدان إلى الوجود الأفضل/ الأسمى الذي يحمل القيم الجديدة؛ قِيم الأخلاق النبيلة، قيم تغيير الإنسان بالقضاء على اغترابه وانفصاله، وتقويض قيم العبيد، وهو الدور الآخر (الخفي) الذي يلعبه بدر في حياته، فيظهر في المستشفى وهو يساعد شخصا، كما أنه يبذل قصارى جهده لعلاج أمينة، إضافة إلى مساعداته الجمّة لحازم وغيرهما.

في الأخير نحن مع دراما تناقش قضايا مهمة، وإن شابت العمل بعض السلوكيات التي يسعى منتجو الدراما بين الفينة والأخرى لتكريسها في أعمالهم، كقبول صداقة الرجل والمرأة الأجنبية والعيش معًا كأمر طبيعي، وغيرها من سلوكيات بعيدة عن مجتمعنا وعاداتنا.

الشخصيات تتشابك بحكايات تتفرع عن الحكاية الأصلية، وإن كان الطرفان الأساسيان بمثابة المشترك الأساسي في جميع الحكايات
الشخصيات تتشابك بحكايات تتفرع عن الحكاية الأصلية، وإن كان الطرفان الأساسيان بمثابة المشترك الأساسي في جميع الحكايات

 

14