"لعبة نيوتن".. صورة مختلفة عن جنة الخارج الموعودة

دراما مصرية تنبش في ظاهرة الولادة من أجل الجنسية وإرهاصاتها النفسية.
الاثنين 2021/05/10
تنقلات ذكية بين الخارج والداخل

استطاع المسلسل المصري "لعبة نيوتن" خطف الأنظار في الموسم الرمضاني الحالي بعدما راعى المفهوم الحقيقي للدراما بالانطلاق من فكرة فلسفية يعمّقها بهدوء مع مرور الأحداث، ووضع كمّا كبيرا من الرموز والألغاز التي يتطلب التقاطها التركيز مع شخصيات مركّبة يسبّب سلوكها قلقا للجمهور العاجز عن تصنيفها في دائرة الخير أم الشر.

القاهرة – تبدو قصة المسلسل المصري “لعبة نيوتن” سهلة من الوهلة الأولى بتناول ظاهرة سفر السيدات العربيات إلى الولايات المتحدة للإنجاب، طمعا في حصول أبنائهنّ على الجنسية الأميركية. لكن التناول أتى عميقا من زاوية شاملة تُعيد تقديم صورة مختلفة عن جنة الخارج الموعودة برقيّ ناسها ورغد القاطنين فيها لتقدّم مجتمعات على الهامش تمثل كابوسا للوافد إليها من التيه والضياع والجفاء وتعاطي المخدرات والعنف الموجه ضد المرأة.

ويطبق العمل قانون الحركة الثالث لإسحاق نيوتن “لكل فعل رد فعل”، والذي اشتق منه عنوانه، على أبطاله فيصوّر رد فعل كل منهم على مستوى العنف اللفظي والمعنوي الذي يتعرّض له من الآخر، مع التركيز على الجوانب الاجتماعية والمشكلات الزوجية التي يعاني منها جيل الشباب بغياب اللغة المشتركة للتفاهم رغم وجود الحب، فيتحوّل الطرفان إلى وسيلة إحباط لبعضهما البعض، ويفقدان معا الثقة في النفس، نهاية باتخاذ قرارات متسرعة قد تضيع حياتهما بهروب كل منهما إلى عالم خاص يحقّق فيه ذاته.

ديناميكية مستمرة

منى زكي تميّزت في تقديمها حزمة من المشاعر المتضاربة بين الحب والكره والتيه والقلق والرغبة في تحقيق الذات في آن واحد
منى زكي تميّزت في تقديمها حزمة من المشاعر المتضاربة بين الحب والكره والتيه والقلق والرغبة في تحقيق الذات في آن واحد

يرسم “لعبة نيوتن” صورة سيكولوجية كاملة لشخصياته عبر المفردات اللغوية والأحاسيس وتعبيرات الوجوه فيدلّل على مدى ما يمكن أن تصل إليه النساء إذا أصبحن تابعات لمجتمع الرجال دون مقاومة، بمواقف شديدة البساطة تظهر قلة الحيلة والعجز، كاحتجاز سيدة في الحمام ومحاولتها فتح الباب بفرشاة الأسنان، أو رفض زوجها ترك مفتاح سيارة لها مفضلا دفع غرامة الوقوف في الممنوع على السماح لها بالقيادة، أو مكالماتها المستمرة للرجل التي لا تخلو من عبارة “إلحقني” (أنقذني).

ويقدّم العمل الذي ألفه وأخرجه تامر محسن عالمين متوازيين يتقاطعان ويفترقان معا في نقاط أولهما “هناء” (منى زكي) التي تسافر مع وفد من وزارة الزراعة المصرية لحضور مؤتمر في الولايات المتحدة، وتخيّر عدم العودة إلى بلدها حتى تضع جنينيها في رحلة عانت فيها من السرقة والاضطرار للعمل وإمكانية فقدان الرضيع بسبب عدم اتزانها النفسي، وزوجها حازم (محمد ممدوح) المصرفي الذي فقد عمله واتجه إلى إنتاج عسل النحل، ويصادف مشكلات لم تخطر على باله مع مشروعه الجديد الذي وضع فيه كل رأسماله.

ويرصد المسلسل جوانب عديدة في حياة المهاجرين وأبنائهم في محاولة الحصول على الجنسية، وابتعادهم عن ثقافتهم الأصلية بإدمان الكحول والمواد المخدرة، وممارسة الجنس خارج الزواج، وفكرة المساكنة (الشراكة المنزلية) ومدى إمكانية حفاظ المرأة على شرفها في غرفة مشتركة مع أحد الغرباء.

ويعرّج إلى فكرة الرغبة في السيطرة من قبل الذكور العرب على الإناث والتحكم فيهنّ، والتي لا تتغير بتغير الأزمنة والأماكن ولا ترتبط بالفقر أو الثراء، ففي الولايات المتحدة تعاني “البطلة” أيضا من محاولة السيطرة عليها تحت ستار من إبداء الاهتمام، واستغلال الظروف ومساعدة أبناء الوطن بنفس الطريقة التي هربت بسببها من بلدها.

وتجعل القصة أبطالها في ديناميكية مستمرة دون الاضطرار إلى الحشو فكل الخطوط الجانبية لها ترتبط بشكل مباشر وصريح بعالم “البطلين الرئيسيين”، والتغيرات التي تصيبهما بعد الافتراق، لتستطيع الزوجة كسر حاجز الرهبة باستمرار، بداية من خشية الكلاب إلى عشقها والحصول على وظيفة متواضعة تعيش منها حتى تضع مولودها.

بينما يصبح الزوج المسيطر في وضع صعب بتورّطه في قضية قتل باستخدام خلايا النحل التي يمتلكها، وابتزاز الشاهد الوحيد على الجريمة الذي يطالبه بأن ترعى حشراته على زهرات الأفيون لإنتاج عسل من رحيقها.

واستطاعت القصة رسم كم كبير من الغموض النفسي عن شخصيتي بدر (سيد رجب) ومؤنس (محمد فراج)، فكلاهما بوجهين أحدهما طيب ودود يساعد الغير، والثاني يبدو مغايرا في الخفاء، فمؤنس محام دولي ومدير مركز إسلامي يظهر في أول مشهد يلقن مسجونا الشهادة ثم يحاول التقرب من “هناء” بكل وسيلة حتى يصارحها بحبه لها، والثاني رجل صناعة سابق زهد في الدنيا منذ أن هجرته ابنته، ويقرّب “حازم” منه لأسباب تتعدّى كثيرًا إنتاج عسل من رحيق زهرة مخدرة.

ويمتلئ العمل بالترميز على مستوى اللغة والتصوير، ويثير في أذهان الجمهور عشرات من الأسئلة بلا أجوبة خاصة مع غموض الشخصيات دون انكشاف واضح للأحداث، مثل الحديث عن دلالات الموت ومفارقاته كولادة المطربة أسمهان في مركب وموتها غارقة، أو تلقي إنسان الهزيمة الأولى في الشطرنج وموته بعدها، أو تهديد شخص بالقتل فيتحوّل إلى قتيل، أو حتى عالم حشرات النحل ذاته التي تضمر بين جنبيها الخير في عسلها والشر في سمها القاتل.

ونجح المسلسل في إجراء تنقلات زمنية ومكانية بين الولايات المتحدة ومصر، والماضي والحاضر لخلق حالة من التوتر وتوضيح الأطر المرجعية التي تحتكم عليها الشخصيات في تصرفاتها، واستشفاف تعاطيها مع الأحداث مستقبلا وفقا لتلك المنطلقات، مع التمسّك بترك مستقبل جميع الشخصيات معلقا دون تلميحات وزيادة مساحة الغموض باستمرار بدخول شخصيات جديدة للأحداث دون تقديم ثم اختفائها.

جمهور مستنير

عرف “لعبة نيوتن” جمهوره المتمثل في فئة الشباب جيدا فقدّم مفردات درامية تتعاطى معهم خاصة المتأثرين بالثقافة الغربية باستحداث مشاهد ما قبل المقدّمة الغنائية، وتتضمّن مقطعا شديد التشويق يُعرض في الحلقة ذاتها أو مستقبلا، مع تقليص المدة الزمنية للمقدّمة إلى دقيقتين اثنتين فقط.

وقد توافرت الكثير من عوامل النجاح للعمل قبل أن يبدأ، أولها عودة منى زكي بعد اختفاء عن الدراما دام خمس سنوات، واختيار اسم مشوّق مرتبط مع الغالبية العظمة للشباب الذين درسوا الفيزياء ويريدون معرفة وجه الارتباط بينه وبين مسلسل مصري، والمخرج تامر محسن الذي أصبح لديه جمهور ينتظر أعماله بعد تجربتي “بدون ذكر أسماء” و”هذا المساء”.

تتمثل لعبة المسلسل الرئيسية في الغموض والحفاظ عليه بذكر أسماء شخصيات دون تقديم لها إلاّ بعد 5 حلقات كاملة، وإظهار أخرى في مشاهد لتلقي عبارة موجزة غريبة وتنذوي، وبالتركيز على تميمة فرعونية في سيارة أو في نمط أطعمة طبيعية وطريقة تقطيعها أو حتى في أسباب شرب رجال شديدي الثراء من وعاء من الفخار.

وتكمن ميزة المسلسل في الواقعية التي يتعاطى بها مع التصوير في الخارج وتقديم صدمة عند قطاع كبير من العرب حول الحياة في الولايات المتحدة، وصعوبات الإقامة والعودة إلى مشكلات الداخل أيضا بوتيرة أسرع، ما جعل الإيقاع شديد التوتر.

تحرّر المسلسل من الاعتماد على الممثلين المصريين من ذوي البشرة البيضاء في تأدية دور الأجنبي التي تثير السخرية أحيانا بلغتهم الركيكة الضعيفة، ووفّر طاقما تمثيليا كاملا في الغرب بلغته الأم مع توفير الترجمة، كما ركّز على ضعف لغة البطلة في الإنجليزية للتعبير عن أن حلم الهروب إلى الخارج لا يوازيه تأهيل لغالبية المصريين على مستوى اللغة أو الكفاءة.

وتعامل المسلسل بأسلوب مغاير مع القضايا الحياتية على عكس الدارج، فشخصية مؤنس تم رسمها بشكل غير مباشر وبقدر عال من الذكاء لرجل الدين المتدين بشكل ظاهري، ونهم يفكّر في النساء كإناث فقط، وتم التدليل على سلوكه بخطئه في قراءة القرآن بمجرد وقوف البطلة خلفه أو نظراته الفاضحة التي يحاول سترها باستمرار حتى لا يُفضح أمام زوجته، والأمر ذاته مع شخصية بدر التي جعلت الجمهور يدشن مجموعات على مواقع التواصل الاجتماعي تتعلق بتوقعات عن طبيعتها وأهدافها.

وعكس الأداء التمثيلي الأدوار المرسومة على الورق بقوة، فمنى زكي أظهرت قدراتها الكاملة بحزمة مشاعر متضاربة بين الحب والكره والتيه والقلق والأمل والرغبة في تحقيق الذات في آن واحد، ومحمد ممدوح يتنقل بين الشخص العطوف الطيب إلى العصبي الغاضب والقلق الذي يخشى المستقبل والوحش الذي يريد الثأر لمن يهين كرامته، والأهوج الذي يتّخذ قرارات مفاجئة دون تفكير في تبعاتها الوخيمة.

ويبتعد العمل كثيرا عن التقديم النمطي للشخصيات عبر الجمل الحوارية وجعل قدراتهم التمثيلية والمواقف شديدة البساطة المعبر الأول عن مكنونات كل منهم، لتظهر حركة الأعين وردود أفعال الوجه العجز عن رسم خطة للحياة والتيه في دروبها بحثا عن قشة تتعلّق بها في المستقبل، ويصبح هروب البطلة إلى الخارج رد فعل “نيوتن” المعاكس للاتجاه والمساوي لقوة ضغط زوجها وتهميشه لشخصيتها.

17