لعلكم تفهمون

تزداد قناعتنا بنجاعة الحكمة كلما اشتطت في غرائبيتها. وفي هذا نمت سمة أقوال ما أنزل الله بها من سلطان بدعوى عمقها وحكمتها.
الثلاثاء 2018/07/10
الحكمة تكره الوضوح

ما أسهل الإتيان بحكمة، إذ أن كل ما يتطلبه الأمر هو القليل من الكلام الذرب والكثير من الهراء. ولا أدري لماذا يتوقع الإنسان حكمة مما هو غريب الطباع. يعني مثلا الناس لا تتوقع حكمة من رجل مشهور في الاقتصاد والحنكة ولكن تتوقعها من رجل تائه شبه مخدّر.

وتزداد قناعتنا بنجاعة الحكمة كلما اشتطت في غرائبيتها. وفي هذا نمت سمة أقوال ما أنزل الله بها من سلطان بدعوى عمقها وحكمتها. ومن أبرز المستفيدين من أدعاء الحكمة أذكر الهنود الحمر والرهبان البوذيين.

قل أي هراء ولكن بصيغة كلام الهنود الحمر أو رهبان التبت، فسيستحيل الهراء أمام عينيك نبعا صافيا من منابع الحكمة. قل شيئا مجنونا لا معنى له مثل “أنك لا تستطيع أن تحلب الحصان ما لم تقدر على ركوب البقرة”، ستجد من يردد القول على أنه عبرة قديمة غابرة رغم أنك قد ألفتها للتوّ. ولك أن تصنع المئات من عبارات الكلام الفارغ مثل “إذا ملأت الكوب فسيرتبك الغناء”، وهكذا.

والملاحظ أن الكلام الحكيم المتزن كهذا غامض، فالحكمة عندهم تكره الوضوح وتلتمس الالتباس لكي يظل كل شيء غير مفهوم ومرتبك. وأحيانا يتفق بعض واضعي الحكم على نسبة الحكمة إلى شخص آخر يصير اتفاقا على اتهامه بوضعها. وقد عشت ورأيت المتهمين بصياغة الحكم يتغيّرون حسب موجة الاحترام المنسوبة إلى هذا الكاتب أو ذاك.

في صغري عشت عصر الأحكام الذكية المنسوبة إلى جورج برنارد شو. الكل يؤلف ما يعنّ له ويتهم برنارد شو بالأقوال المأثورة والطرف. ويبدو لي أن هناك جماعة بشرية آخذة في الانتشار والازدياد، لا هم لها سوى التقوّل على حساب الناس. ومنهم من لا يكتفي بتأليف الحكمة بل يضع لها قصة وعنوانا على نحو “قيل لتولستوي من علمك التسامح والغفران”، فيقول الأخير “تعلمت التسامح ممن لا يتسامح”. وهنا يفترض أن تغروْرق أعين السامع بدموع العبرة والاتعاظ.

وقد اتسعت دائرة الوعاظ المزعومين، وبلغت في يومنا هذا كتابا وأدباء وروائيين. يعني كل ما يتوسّم فيه الحمقى من ذكاوة وحسن كلام. وفي الآونة الأخيرة جاء دور نجيب محفوظ رغم أن الرجل لم يدّع يوما أنه حكيم تنتهي عنده الحكمة وفصل الخطاب. إنما هو كاتب يسرد حكايات رائعة. بل بلغ ببعضهم السفه وقلة الاكتراث أنهم صاروا ينسبون إلى نجيب محفوظ شعرا صريحا. وإذا سألتني لماذا تصنع الأحكام الغامضة، سأقول مثل اللغز “هل قطفت وردة باردة”.

24