لعنة إيطالية في تشيلسي

الأحد 2017/11/05

لن يطول مقام المدرب الإيطالي أنتونيو كونتي كثيرا في قلعة “البلوز” تشيلسي، سيغادر دون شك قبل انتهاء الموسم الحالي، لن يكون له هناك مكان دائم مع الفريق، والأمر المؤكد أن أيامه باتت معدودة مع هذا الفريق الذي توج معه الموسم الماضي بلقب “السوبر ليغ” بكل استحقاق وجدارة.

فما تحقق إلى حد الآن يوحي بأن رياح التغيير ستهب على القلعة الزرقاء قريبا، في ظل حالة “التخبّط” وعدم التوازن الذي يعيشه الفريق سواء محليا أو في مسابقة دوري الأبطال، والدليل على ذلك النتائج المتذبذبة التي حققها تشيلسي في بداية هذا الموسم، فبين موسم وآخر عاش كونتي واقعين مختلفين تماما، إذ بعد أن حُمل على الأعناق في أعقاب موسم ناجح ورائع رفع خلاله الفريق لقب الدوري المحلي عاليا، بدأ المدرب الإيطالي يعيش حالة من التململ والترقب، والندم أيضا إزاء وضع ضبابي قد يطيح به خارج أسوار القلعة الزرقاء.

لقد بدأ هذا المدرب يعد أيامه المتبقية على رأس الفريق، إذ لم يعد بمقدوره تقديم المزيد، سيعرف بلا شك مصير عدد من الفنيين الذين سبقوه، سيكون حاله مثل مواطنيه أنشيلوتي ودي ماتيو وأيضا مثل حال البرتغالي خوزيه مورينيو، ففي هذا الفريق إذا لم تقدر على إقناع مالكه الروسي رومان أبراموفيتش، فإن الخروج من الباب الصغير سيكون مصيرك المحتوم لا محالة.

هي ربما لعنة ساكنة دائما في أركان هذا النادي، لعنة إيطالية بدأت فصولها منذ سنوات قليلة، وتحديدا سنة 2012، عندما تولى مدرب شاب وطموح مهمة الإشراف مؤقتا على نادي تشيلسي، الحديث هنا يخص الإيطالي روبيرتو دي ماتيو اللاعب السابق في الفريق، فبعد أن كان مدربا مساعدا لفيلاش بواش تولى المهمة بنفسه عقب إقالة الأخير، أعجب مالك النادي بنتائج تشيلسي في تلك الفترة فأبقى على مدربه الإيطالي.

تواصلت النجاحات، فأحرز الفريق لقب كأس الاتحاد الإنكليزي، فتواصلت المسيرة ومعها استمر تألق “البلوز” ليصلوا إلى المباراة النهائية للمسابقة القارية المجيدة.

لا أحد كان يتوقع ذلك، لكن دي ماتيو بحسه الإيطالي وطموحه غير المحدود كان يعرف أنه سينجح في مهمته المؤقتة، كان له ما أراد ووشح وسام النادي بنجمة غالية جميلة بعد الحصول على اللقب الأول لتشيلسي في دوري الأبطال على حساب بايرن ميونيخ.

تحول دي ماتيو فجأة من مدرب مؤقت إلى فني يشار إليه بالبنان، فما عجز عنه سابقوه وخاصة البرتغالي مورينيو وفّق هو في تحقيقه، انتظر الجميع أن يتم تثبيته مدربا دائما للفريق، خاصة وأنه قدّم نفسه كأفضل ما يكون، لكن كان لأبراموفيتش مالك النادي رأي خاص، فقام بإقالة دي ماتيو بعد النجاح الأوروبي الباهر، فأي لعنة أصابتك أيها الإيطالي؟

هي اللعنة ذاتها التي ضربت من قبله مواطنه أنشيلوتي، فهذا المدرب نجح مع الفريق وقاده للحصول على لقب الدوري الإنكليزي الممتاز سنة 2010 وكأس الاتحاد الإنكليزي والكأس الخيرية في الموسم ذاته، لكن لم يطل مقامه مع الفريق، فغادر غير مأسوف عليه بقرار من المالك الروسي الذي يعجب سريعا بمواهب الفنيين الطليان، لكن سرعان ما يصيبه السأم والملل، فيغير رأيه ويغير المدربين كما يغير قميصه.

ربما حال مورينيو كان أفضل نسبيا من المدربين “الطليان”، فهذا الفني البرتغالي درّب الفريق ثم غادر، ثم عاد مرة أخرى، وهو أمر لا يحصل إلاّ نادرا في عهد أبراموفيتش، بيد أنه لم يسلم من المصير المحتوم فكل الإنجازات مهما كانت قيمتها لا تشفع في حضرة المالك الروسي، والدليل على ذلك أن مورينيو أقيل من منصبه في الفريق منتصف الموسم الماضي بعد سلسلة من النتائج السلبية عقبت موسما سابقا أعاد خلاله الفريق إلى منصة التتويج المحلي.

قدم بعد ذلك كونتي بآمال كبيرة وطموح أكبر، وسرعان ما أعاد الثقة صلب الفريق بعد موسم كارثي، ليحقق الفوز تلو الآخر ويحصد في النهاية اللقب، لتكبر الأحلام ويصبح الهدف القادم هو المراهنة على لقب دوري الأبطال هذا الموسم، لكن بدايات الموسم الحالي لا تنبئ بمستقبل قريب واعد، وكونتي بات على مشارف الشرب من الكأس ذاتها التي شرب منها من سبقوه.

كان كونتي قريبا للغاية من الإفلات من هذه الكأس المريرة، حيث عزم في أعقاب الموسم الماضي على الرحيل من الباب الكبير، أراد الخروج وهو ملك يحتفي بلقبه المحلي، لكنه وجد إغراءات أو هي ربما لعنة دفعته للبقاء وأجبرته على مواصلة المغامرة، ليكتشف بعد ذلك وقبل انتصاف الموسم الحالي أنه أخطأ التقدير وسيدفع بلا شك ثمن قرار البقاء.

هذا المدرب الذي تهافتت عليه أقوى الأندية الإيطالية والأوروبية ندم كثيرا وكاد يعظ أصابعه من شدة الغيظ، لأنه يعلم جيدا أنه سيخرج غير مأسوف عليه، سيغادر بقرار من إدارة النادي وليس بقرار شخصي، ربما علم أنه سقط ضحية اللعنة التي كان يخشاها، لقد أدرك أن التاريخ قدّم له مؤشرات لا تخدع، مفادها أن المقعد الوثير الذي يوجد في قلعة “البلوز” سرعان ما ينقلب على جالسه ويتحول إلى كرسي هزّاز يعبث بكل من يريد التشبّث به، هي لعنة إيطالية دائمة أدرك كونتي سطوتها اليوم، لكن بعد فوات الأوان.

كاتب صحافي تونسي

23