لعنة الانقلاب العسكري الفاشل في تركيا تلاحق الضباط العسكريين العاملين بالخارج

زعزعت محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة في تركيا العام الماضي أمن واستقرار العديد من الأسر التركية خاصة تلك التي اتهم أحد أفرادها بالتورط في عملية الانقلاب. ولم يقتصر توجيه التهم على رجال الأمن والعسكريين الموجودين في الداخل التركي بل لاحق أولئك الذين يعملون خارجها في البعثات الدبلوماسية، ليجدوا أنفسهم وأسرهم بين خيارين؛ إما العودة إلى تركيا والخضوع للمحاسبة والسجن وإما طلب اللجوء والبحث عن عمل جديد ليتمكنوا من إعالة أسرهم.
الأربعاء 2017/07/12
وماذا بعد الإعتقال

بروكسل- إثر محاولة الانقلاب التي شهدتها تركيا العام الماضي اتبعت السلطات التركية سياسة التصفية والطرد والحبس ووجهت تهم التورط في الانقلاب إلى الآلاف من موظفي الخدمة المدنية والقضاة والمدرسين والصحافيين وغيرهم ممن اشتبه في أنهم من أتباع فتح الله غولن، رجل الدين المنفي الذي يعتقد، على الرغم من إنكاره، أنه نسق لمحاولة الإطاحة بالرئيس التركي رجب الطيب أردوغان.

ويرجح أن النصيب الأكبر من التهم كان موجها إلى المنتمين إلى المؤسسات العسكرية والأمنية ليس فقط للعاملين في تركيا بل كذلك إلى التابعين للبعثات الدبلوماسية التركية في الخارج.

وبحسب التقديرات، تم طرد أكثر من 700 ضابط من أصل 950 يعملون في الناتو وفي البعثات الدبلوماسية التركية في جميع أنحاء العالم. وتقدم معظمهم بطلبات للجوء بالدول المضيفة، تم قبول بعضها بالفعل في دول مثل ألمانيا والنرويج.

الجيش التركي يضم حوالي 600 ألف عنصر، وإذا قرر أن يقود انقلابا فإنه لن يحتاج إلى العدد القليل من الضباط في الخارج

وكان معظم الضباط الأتراك في بلجيكا يعيشون مع أسرهم في مساكن عسكرية طردوا منها في نهاية سبتمبر، مع إعطاء التصريح لساكني مدينة مونس بالبقاء حتى نهاية العام الدراسي الخاص بأطفالهم. وغادر بعضهم في وقت مبكر، في حين بقي آخرون على أساس أنه ليس لديهم ما يخشونه.

إبراهيم وعبدالله (أسماء مستعارة) كانا ينتميان قبل عام لكبار أعضاء الوفد العسكري التركي إلى الناتو، الآن هما عاطلان عن العمل وبلا جنسية بحكم عملية التطهير التي استهدفت العديد من العسكريين.

جلس الرجلان في الركن الخلفي من مقهى صغير في بروكسل، يلتفتان حولهما للتأكد من أن لا أحد يتبعهما. وفي حديث له مع مجلة بي بي سي الإنكليزية قال إبراهيم إنهم جميعا يخشون على حياتهم، موضحا “تصفنا وسائل الإعلام التركية ‘بالإرهابيين’ وجعلتنا هدفا للمخابرات التركية أو حتى الروسية، ويصفنا المسؤولون الأتراك بالخونة ويحرضون الناس على مهاجمتنا”.

آيز ودينيز (إسمان مستعاران أيضا) هما زوجتا ضابطي ناتو آخرين، تقولان إن حياتهم جميعا تغيرت بشكل كبير، وفقدوا منازلهم ورواتبهم وقد لا يتمكنون أبدا من العودة إلى موطنهم مرة أخرى.

وشعر الضباط العسكريون العاملون خارج تركيا بالأمان حتى بعد اعتقال المئات من الضباط في تركيا لأنهم لم يقوموا بأي دور مباشر في محاولة الانقلاب. يقول إبراهيم “الجيش التركي يضم أكثر من 600 ألف عنصر، وإذا قرر جيش بهذا الحجم أن يقود انقلابا عسكريا فإنه لن يحتاج إلى ذلك العدد القليل من الضباط الذين يخدمون في الخارج لتنفيذه، وسيكتفي بمن في الداخل”.

غير أنه في شهر أغسطس، كانت تصل إلى بروكسل كل يوم جمعة قوائم بأسماء الضباط الذين تم إيقافهم عن العمل دون إبداء تفسير. وفي نهاية سبتمبر، وصلت وثيقة طويلة تضم 221 اسما إلى مقرات البعثات التركية في الخارج، بما في ذلك مقر الناتو في بروكسل وفي مونس، تأمر قوات الأركان العامة التركية من خلالها الضباط بالعودة إلى تركيا فورا دون إبداء أي تفسير.

معظم الضباط الأتراك في بلجيكا يعيشون مع أسرهم في مساكن عسكرية طردوا منها في نهاية سبتمبر، مع إعطاء التصريح لساكني مدينة مونس بالبقاء حتى نهاية العام الدراسي الخاص بأطفالهم

يقول عبدالله “كان اسمي مدرجا في القائمة. حاولنا كثيرا الاتصال بتركيا لفهم أسباب الاتهامات الموجهة إلينا. وكانت الإجابة الوحيدة التي نتلقاها ‘استقل أول رحلة طيران قادمة إلى تركيا’. أما من لم يمتثل للأمر فقد تم طرده في مرسوم صدر في 22 نوفمبر، متهما بإقامة علاقة مع ‘منظمة إرهابية’، في إشارة إلى حركة غولن. بالإضافة إلى أنه تم تجميد أصول ممتلكاته في تركيا وإلغاء جواز سفره”.

وأدرك الضباط حينها أن الاستجابة للعودة إلى تركيا كانت محفوفة بالمخاطر. ونتيجة لذلك سارعت مجموعة منهم ببيع ممتلكاتها، وعادت إلى تركيا في أوائل أكتوبر، وأُلقي القبض على جميعهم تقريبا. وفي الوقت نفسه، تم استدعاء ضابط بحري من بروكسل إلى اجتماع طارئ لإعادة التقييم بمقر قوات الأركان العامة التركية بأنقرة. يقول إبراهيم “كل ضابط في القوات المسلحة يعرف جيدا أن إعادة التقييم ليس بالموضوع الذي يمكن تصنيفه على أنه حالة طارئة، وعلى الرغم من ذلك امتثل الضابط للأمر”.

وأُلقي القبض عليه، وأُودع السجن بانتظار المحاكمة. وقال عبدالله “حتى الآن لم يطّلع الضابط على أدلة إدانته”. ولا تزال زوجته وأولاده الثلاثة، الذين لم يبلغوا رسميا باعتقاله، في بلجيكا يحاولون العيش من دونه.

وحكى الضابطان قصة زميل لهما كان قد تعرض لحادث سير خطير في الأيام التي سبقت الانقلاب نُقل على إثره إلى غرفة العناية المركزة في مستشفى بلجيكي. يقول إبراهيم “كان فاقدا للوعي، ومع ذلك اتُهم أيضا بالتورط في الانقلاب”. وقال عبدالله “بالرغم من محاولات الجيش التركي المستميتة لطردنا وجعل حياتنا أكثر صعوبة، إلا أن الناتو استنكر تلك الأفعال غير المنطقية”. كما حاول الزملاء الأجانب مساعدة عائلات الضباط الأتراك المتهمين بشتى الطرق.

12