لعنة الجغرافيا القطرية

الثلاثاء 2014/06/03

للجغرافيا دور مهم في تحديد السلوك الخارجي للدولة، وعلاقاتها وأطر تحالفها، ومجالات وآليات نشاطها، وذلك منوط بقدرة النظام السياسي على توظيف المعطى الجغرافي في نزعته السلوكية. وتتحكم الجغرافيا بدورها في حجم المعطى الديمغرافي القادر على إدارة الدولة.

من ذلك، تعاني قطر مما يمكن تسميته بلعنة الجغرافيا، التي وضعتها بين قوتين إقليميتين في المنطقة، جعلتها تعيش هاجس الشك في كيانها كدولة، والخشية من محيطها، وهو ما دفعها إلى توظيف مقدراتها المالية في توسيع نشاطاتها الخارجية أكثر مما تتحمله مكانتها الجغرافية والديمغرافية، بل والمكانية في ظل أكثر المناطق تأزما على مستوى العالم.

كان من المفروض، أن تنتمي قطر إلى محيطها الخليجي، وتعمل على تعزيز المداخل المشتركة في ما بينها، مع أدوار خارجية تتوافق مع مقوماتها من جهة، ومع توجهات البيئة الخليجية من جهة أخرى، وتمثل الكويت والبحرين مثالين لذات الحالة، حيث استطاعتا الحفاظ على كيانهما، وتعزيز أطر التعاون الخليجي مع سياسة خارجية فاعلة تتلاءم مع ذات المعطيات. إلا أن لعنة الجغرافيا القطرية، دفعتها إلى أن تتحول إلى عبء على محيطها الخليجي، من خلال سلوك تحريضي، ولا يمكن اعتبار السلوك العدائي القطري تجاه هذا المحيط، إلا فقدانا للثقة بالذات من جهة، وعقدة انتماء تعود إلى عقود سابقة، لا ترى في نفسها إلا جزءاً فالتا من الجغرافيا الأم- الجغرافيا السعودية- أدت الظروف الدولية القائمة آنذاك إلى إعلانها دولة مستقلة. ذات العقدة التي دفعتها إلى التمرد على مفاوضات توحيد الإمارات العربية المتحدة، عوضا عن أن تكون إمارة ثامنة تخضع لسلطة أبوظبي الفدرالية. وهو ما دفعها إلى تبني سياسات عدائية تجاه الدولتين.

لم تتبلور تلك الإشكالية بشكل واضح إلا في العقدين الماضيين، حيث تحولت السياسة الخارجية القطرية من الانطواء على الذات، إلى نهج التضخم عبر التطاول على المحيط الخليجي، في اعتقاد أن ذلك هو ما يصنع منها دولة ذات مكانة إقليمية قادرة على فرض سلوك محيطي يخدم مصالحها. عبر جر دول الخليج إلى أزمات إقليمية ودولية ناتجة عن السلوك القطري غير المستقر.

وإن كانت علاقات قطر مع دول الخليج، مرت بتأزم خلال الأشهر الماضية، إلا أن التأزم الجديد، في ظل التغيرات المتسارعة في المنطقة، بعد تعزيز القوة الخليجية ومحاولة إحداث نمط تفاوضي مع إيران يبعد شبح الحرب عن المنطقة، يدفع إلى التساؤل عن دوافع قطر إلى تصعيد التوترات الخليجية، وعن المستفيد من تلك الإجراءات.

لاشك أن بنية خليجية متوافقة حول التوجهات الخارجية العامة، وعلى تنسيق أمني مشترك واضح الأبعاد، هي الكفيلة بصيانة أمن دول مجلس التعاون الخليجي، والخروج على ذلك هو بالذات ما تدفع إليه إيران في سعي يبقى قائما لاختراق البيئة الخليجية وتأزيمها داخلياً، يمهد لفرض معطيات تخدم المصالح الإيرانية بالمطلق.

وسواء كان التطاول القطري على الشقيقات الخليجيات، فعلا مستقلا مقصودا، بغية ترميم أزمة الهوية فيها، أو كان فعلاً موجها من قبل إيران، فإنها هي الخاسر الأهم في هذه المعادلة، عبر سلخ ذاتها عن محيطها، وفقدان الظهير الأمني الخليجي لها، في مواجهة قوة إيران التي تسعى إلى التغول في محيطها، ومن ثم تحولها إلى ساحة صراع خليجي- إيراني، تفقدها مكتسباتها التنموية وتذهب بأدوارها الخارجية، وتهدد وجودها ككيان.

ولا يمكن تفسير السلوك القطري العدائي، إلا ضمن هذا الفهم، باعتباره محاولة لشرخ أطر التحالف الخليجية، في تقصد مباشر لمجلس التعاون الخليجي الذي شكل إطارا تعاونياً بارزا منذ ثمانينات القرن الماضي، وكان له الدور الأبرز في ضبط الساحة البحرينية، وإبعاد النفوذ الإيراني عنها عام 2011، عبر جهازه العسكري “درع الجزيرة”. دون أن تدرك قطر أن عملية تجميد عضويتها أو إبعادها عن المجلس تبقى قائمة. كما تمتلك دول الخليج أدوات واسعة لمعاقبة قطر على سلوكها، سواء عبر المقاطعة أو فرض حصار جوي أو بري، أو غلق الأجواء أمام الطيران القطري، إذ لا يمكن الاستمرار في التعويل على الصبر السعودي طويلا.

كما تمتلك قطر من الإشكاليات ما يفتح عليها أزمات دولية عدة لا قبل لها بها منفردة، ليست بدءا بملف العمالة، ولا انتهاء بتورط في دعم الاضطرابات في دول الخليج العربي، وهو ما يدفعها إلى التفكير في إعادة عقلنة سلوكها في التعاطي مع محيطها، وضبط وسائل هذا التعاطي.

يبدو أن قطر قادمة على مرحلة قد تكون الأسوأ في تاريخها، لناحية علاقاتها العربية والدولية، بعد أن تضخم سلوكها الخارجي إلى درجة بات ينعكس سلبا عليها، أو بالأصح بلغ نقطة الانهيار، ولم يعد بإمكانها العودة عنه، إلا بعد أن تطالها تداعيات هذا السلوك. وخاصة أنها لم تكن قادرة على استيعاب الدرس السابق، بعد سحب سفراء الدول الخليجية منها. ولا يبدو أن الطاقم الحاكم حاليا قادر على قراءة المتغيرات المحيطة بقطر، بل ويعوزه كثير من الحنكة السياسية التي يفتقدها.

قد تشهد الأيام المقبلة عقوبات خليجية على دولة قطر، في حال عدم قدرتها على إحداث تغيير في سلوكها، وضبط الجهات المحرضة على تأزيم العلاقات البينية، والخروج من معادلات صراع المصالح الخليجية- الإيرانية، لصالح عزلة مؤقتة تعيد فيها تأهيل سياستها، وتتصالح مع محيطها وفق ضمانات حقيقية.


كاتب إماراتي

9