لعنة الدفلى

من المعروف علميا أن سم هذه الشجرة في جميع أجزائها سم قاتل، لكنها على الرغم من ذلك شجرة جميلة، وقد تكون أروع اللوحات التي ظهرت فيها هي ما رسمه الفنان النمساوي الشهير غوستاف كليمت بعنوان “فتاتان وشجرة الدفلى”.
الجمعة 2019/01/18
لوحة فنسنت فان غوغ "أزهار الدفلى"

حين تأخذ الطريق البحري الممتدّ من آخر منطقة الأوزاعي وصولا إلى خلدة تجتاح فضاء سيارتك روائح كريهة وغازية سامة منبعثة من مطمر الكوستا برافا، وتأتي هذه الروائح متناقضة تمام التناقض مع خضرة اصطناعية عمد “الخبراء” إلى مدها على طول وعرض المطمر.

خطر تسرّب الكميات الكبيرة من عُصارة تلك النفايات إلى البحر، خطر قائم على البشر وعلى البحر على حد سواء ويضرب عرض الحائط باتفاقية برشلونة للحفاظ على البحر المتوسط، ويذهب البعض إلى اعتبار أن هذه الأزمة المستشرية قد تصبح سببا في عودة الحرب الأهلية في لبنان.

وليزداد المشهد سريالية زرع الخبراء ذواتهم على امتداد المطمر صفا من أشجار الدفلى، لا يهم إذا كان الهدف هو تجميل المشهد أو التمويه بحس فني كارثي، كما لا يمكن إلاّ أن نتساءل حول سبب وقع الاختيار على شجرة الدفلى لكي “تزيّن” هذا المطمر، هل لأن شجرة الدفلى قادرة على تحمل شتى أنواع الكوارث البيئية وأقسى الظروف الطبيعية؟

لعل في ما يلي محاولة لتبرير الوجود الحصري لهذه الشجرة في تلك المنطقة المنكوبة: لشجرة الدفلى التي تنمو بشكل كبير في منطقة الشرق الأوسط وتتعدد ألوان أزهارها نصيب كبير من الروايات والأعمال الفنية الشهيرة منها لوحة الفنان الهولندي فنسنت فان غوغ “أزهار الدفلى”.

مجموعة أزهار سامة في إناء أنيق كان الفنان على علم بأنها ترمز إلى الخطيئة في الدين المسيحي، وأنها سامة ومميتة فرسمها في لوحته إلى جانب رواية إميل زولا “حب الحياة” في إشارة إلى ازدواجية المعنى.

ومن المعروف علميا أن سم هذه الشجرة في جميع أجزائها سم قاتل، لكنها على الرغم من ذلك شجرة جميلة، وقد تكون أروع اللوحات التي ظهرت فيها هي ما رسمه الفنان النمساوي الشهير غوستاف كليمت بعنوان “فتاتان وشجرة الدفلى”، لوحة لا تخلو من الغمز في قناة “شرورها” المرتبطة بالرغبات الجنسية المكبوتة.

ومعظم الأعمال التي تناولت هذه الزهرة، ومن ضمنها لوحة كليمت لا تتناول جمال هذه الشجرة إلاّ من خلال خاصية الشؤم أو الخطيئة أو الجريمة، أما روائيا فقد كتب التونسي حسونة المصباحي في روايته “نوارة الدفلى” وصفا لشجرة الدفلى “شجرة ضخمة، تمتد عروقها في أعماق أرض قريتنا، فروعها منتشرة في فوضى الفضاء كعش الغراب.. تتسلل إليها العفريتة بنت الريح (ليليث) عندما تغرب الشمس.. فأينما توجد أشجار الدفلى والسمار تختبئ هذه الملعونة، فيسهل عليها تصيد ضحاياها من مغامري الليل، الشجرة الشعثاء، الفرعاء، الضخمة.. منذ بدأت هذه الثعابين تخرج من جذع هذه الشجرة ما رأينا فوقها طيرا يطير ولا حشرة تئز ولا أي شيء”.

أما الكاتبة اللبنانية الراحلة إميلي نصرالله فقد كتبت رواية تحمل اسم “الشجرة” وتجري أحداثها في مجتمع القرية، حيث يعلو صوت الجماعة لسحق الفرد، وبطلة الرواية فتاة اسمها “ريا” تتمرد من أجل الحرية ومن ثم ترضخ للمجتمع القروي بعد الزواج لتعيش دون قلب وروح.

هذه هي قصة شجرة الدفلى، وربما عن غير قصد هذا هو السبب في اختيارها لتجاور بجمالها وسمومها على حد سواء العشب الجميل بخضرته والكاذب في اصطناعيته، يصح قول الروائي التونسي حسونة المصباحي في روايته “نوارة الدفلى” أن يكون امتدادا لهذا المشهد الفظيع الذي يطول سمومه بصر وصحة الناس المارة بقربه وأبعد منه بكثير.

وهكذا وكما يقول الروائي “تخترق هذه السموم” أجسادنا كما فعلت بـ”أنكيدو” في الرواية، “كالسهام، ترقبنا، فنحس بها تجردنا من جلدنا عن عظمه.. يختلط عويل النساء بنباح الكلاب بخشخشة الأعشاب اليابسة تحت نعال قادمة في اتجاه الشجرة.. يا للهول! ‘أنكيدو’ مسجى، ممدد، بكل جسده الغض تحت جذع تلك الشجرة الملعونة”.

17