لعنة الذهب الأبيض

الفنان السوري فادي الحموي: الطوب المصنوع من السكّر يعبّر عن المعضلات التي يمر بها السوريون في بلاد الهجرة واللجوء.
الأحد 2019/09/08
ورشة إنتاج الطوب

باريس - أنجز الفنان السوري فادي الحموي مؤخرا عرض أداء وتجهيز في الفضاء بعنوان “سكّر للأبد” في العاصمة الألمانيّة برلين، مُحولا مساحة العرض في صالة CAA gallery إلى ما يشبه ورشة عمل يدويّة لإنتاج الطوب (بلوك البناء)، موظفا جهده العضليّ وسُكر الطعام عوضا عن الإسمنت لصناعة طوب أبيض ناصع قابل للالتهام.

يشير الحموي في وصفه للعرض إلى أن الطوب المصنوع من السكّر يعبّر عن المعضلات التي يمر بها السوريون في بلاد الهجرة واللجوء وأشكال البناء المادي والنفسي التي يختبرونها، فالطوب الإسمنتي هو اللبنة الأساسية للأبنية التي فقدت صلابتها وتهدّمت في سوريا على مدار السنوات الماضية، وكأن إسمنتها أصبح بهشاشة السكّر، ذات الشيء مع بيوت المَهجر الجديدة، هي تمتلك “شكل” منازل الماضي، لكنّها بيضاء، ناصعة، نظيفة، سكّانها مهددون دوما، وكأنها ستنهار، وهنا يظهر جسد المؤدي/الحموي بخصائصه السياسيّة والثقافيّة ليخلق تناقضا منطقيا لدى المشاهد أساسه “صلابة” الطوب و”هشاشة” السكّر، فالحموي أسير جهود التعمير والتدمير أثناء العرض، في إحالة إلى أشكالها المتعمّدة والعشوائيّة كما في سوريا، أو المنظمة كما في أوروبا.

التقينا في “العرب” اللندنية مع فادي الحمويّ للحديث أكثر عن الأداء الذي اختبره بجسده، خصوصا أنه بذل جهدا عضليا مضنيا في فضاء لم يكن مخصصا “للبناء” أو “التعمير” من أجل تحويل 2 طن من سكرّ الطعام المنزليّ إلى طوب بناء يُستعرض أمامنا، عرضة للنار والالتهام والتحطيم.

معركة السكر الأبدية
معركة السكر الأبدية

سألنا الحمويّ بداية عن المكبس البدائيّ الذي قام باستخدامه لصناعة الطوب، والذي كان منتشرا في سوريا ويستخدم من قبل عمّال البناء، وهنا يخبرنا عن الرحلة التي خاضها في ذاكرته ليستعيد شكل المكبس وأسلوب عمله، إلى جانب التناقض الذي مر به وهو في ألمانيا من أجل صناعته، فالحموي في بلد صناعي متطور جدا، وهو يسعى لصناعة آلة شبه منقرضة، ويعقب بقوله “اعتمدت على الشكل الذي كان في ذاكرتي لإنجاز تصميم المكبس، وبحثت في ورشات البناء والنحت وشاهدت فيديوهات متنوعة من مختلف الأماكن لتطوير التصميم المناسب واختبار فعاليته، خصوصا أنّي لا أصنع فقط ماكينة ذات وظيفة صناعيّة وتقنيّة، بل أيضا أسعى لإنتاج منحوتة لا بدّ أن تكون متقنة، وذات شكل جماليّ يتناسب مع جسدي وأسلوب حركتي”.

يخبرنا الحموي أكثر عن علاقته مع السكر نفسه، المختلف خلطه عن خلط الإسمنت، إذ اختبر السكر صبره وقدرته على العمل المتواصل وذلك لضبط كمية المياه المستخدمة لإنتاج الطوبة الواحدة، ثم بذل الجهد العضلي اللازم لاستخدام المكبس ثم نقل “الطوب” إلى مكان العرض ويعقب “تغير تخيّلي عن الطوب المثاليّ مصقول الحواف، وبدأت أترك الطوبة بعد الانتهاء منها على حالها، سواء كانت كاملة أو مهشّمة، وكأن كل واحدة مقياس لمدى الاختلاف بين الصورة المثالية في ذهني وبين قدرتي على تكوين هذه الصورة، والشرط الأهم الذي اعتمدته هو الحفاظ على نقاء السكر دون خلط مواد كيمياويّة، في ذات الوقت السعي لكي يمتلك الطوب صلابة الإسمنت، وهذا ما كان واضحا أثناء العرض حين كنت أقضم الطوب دون خوف من مكوناته”.

الإرهاق الجسدي الذي اعتلى الحموي أثناء العرض، يتركنا أمام تساؤلات عن اللااكتمال والعلاقة بين جسد المؤدي والطوب المهدد بالفناء، ما يحيلنا إلى السكر نفسه، المادة المتوافرة بكثرة والتي يمكن أن تتحول إلى سمّ يهدد الجسد إن لم تضبط نسبتها، وفي ذات الوقت هو الذهب الأبيض ذو التاريخ “المرّ” والمحرك الرئيسي لسياسات كولونيالية واستعباديّة بالرغم من هشاشته الظاهرة حاليّا واستخدامه اليوميّ، وكأنّ الأبد الذي يختزنه السكر يهدد كل من يحاول الاقتراب منه، خطر مهما تحولت أشكال السكر يبقى حاضرا، وهنا تبدو السخرية العميقة التي يوظفها الحمويّ بين “الأبد” كمفهوم سياسي وثقافي لا بد من جهود عسكريّة وسياسيّة لإنتاجه و”السكّر” الهشّ الذي يمكن أن ينهار بلحظة دون أن يفقد قيمته.

طعم السكر قاسي ولزج
طعم السكر قاسي ولزج

دفع الجهد الجسدي الحمويّ للنظر إلى الأداء كـ”حرب” من نوع ما، حرب عناصرها أكياس السكر كمتاريس، والمكبس كسلاح، وجسده المتحرك بينهما في سبيل الوصول لطوب السكّر، النتيجة النهائيّة المهددة بالانهيار بوصفها الأبد الذي يختزن ذات الهشاشة. هذه “المعركة” التي نشهدها في الفضاء المفتوح الذي يشابه الورشة، أثارت دهشة بعض الحاضرين الذين شدّ انتباههم ضجيج المكبس، والـ”عامل/المؤدي” المحاط بطنين من السكّر المنزلي الألمانيّ والذي لن يتوقف عن صناعة الطوب إلا حين تخذله عضلاته.

يختبر الحموي بكل حواسه تحولات السكّر الفيزيائيّة، إذ حرك الجهد الجسدي رغبات مختلفة داخله إذ يقول “أثناء الأداء دفعتني أحيانا النزعة للكمال، فأسعى لتكون الطوبة حادة الحواف ومتقنة كرغبتي بالمستقبل، وأحيانا تنتابني الرغبة بالتدمير وكأني أستعيد صورا من ذاكرتي عن سوريا، فأحمل طوبة قاسية وأرميها فوق أخرى هشّة لأشكّل دمارا من نوع ما.

 وفي بعض المرات أقطع أخرى بشكل هندسيّ ذي حواف غير منتظمة، وأحيانا أحرق بعض قطع الطوب، ليمتلأ المكان برائحة أشبه برائحة الكراميل، خالقا لدى الحضور تناقضا حسيا وارتباكا بسبب الاختلاف العميق بين ‘الورشة’ التي أمامهم وبين رائحة الكراميل الشهيّ، وفي النهاية، أقوم بتنظيف المكان وتنظيف مُعداتي، ليعود كل شيء ناصعا، منهيا يوما من العمل في بناء ما سُيهدم”.

ينتهي العرض دون “أعمال فنيّة”، فلا يوجد ما يمكن اقتناؤه، إذ يُلقى الطوب في بناء منهار في برلين ليتداخل الإسمنت مع السكر، الذي يتابع رحلته بين جسد الحموي وبين بناء ربما قد يُعمر لاحقا.

14