لعنة المهارة

أنا بصدد تصفح رواية جديدة لروائي عربي بات يتحفنا كل سنة بإصدار جديد، من مئات الصفحات، في موضوعات شتى، لدرجة صرت أشك إن كان الرجل يكتب استنادا إلى ورشة يشغّل فيها مبتدئين.
الأربعاء 2018/05/09
خيال وصور وشخصيات وعالم فني مكتمل

في مقطع من “يوميات رامبرانت” التي أعدها للنشر آلن باسز، يتحدث الرسام عن رغبته اللاعجة في “نسيان الحرفة” والخروج من أسرها الضاغط على براءة الأصل، حيث يسعى في كل لوحة جديدة لأن ينطلق من قلق البدايات، وأن يعيش تجربة التعلم بعذاباتها وكشوفها وخيباتها مجددا، ويحاول أن ينفذ إلى وعي القارئ أن الخبرة مناقضة، بمعنى ما، لطاقة الكشف وقدرة الاختراق.

وفي محاورات عديدة لروائيين كلاسيكيين نجد تعبيرات شتى تفيد بأن فقدان الدهشة الأولى يوحي بالنهاية، وكأنما التراكم والتعلم نقيضان للاستمرار في إبداع أعمال جذابة، هل يمكن الحديث هنا عن لعنة للمهارة؟ يتحدث نابوكوف عن الشعور بالعجز عندما نتقدم في اكتساب الأسلوب وامتلاك الرصيد، كما يحدثنا عبدالرحمن منيف عن “ابتذال الكلمات” وفقدانها القدرة على التعبير مع تكرار استعمالها، ليس المقصود هنا تبجيل الندرة، ولا تسفيه الوعي الجمالي، وما يتصل به من نضج، أعتقد أن المقصود هو الحفاظ على قدرة الذات في العودة إلى لحظة ما قبل التحقق، تلك التي لم يفسدها الإحساس بامتلاك الأداة.

من هنا يخيّل إلي أنه لا يمكن فصل الإبداع عن البراءة، بالمعنيين الجمالي والأخلاقي، إذ ليس بمقدورنا أن نحافظ على طراوة الألفاظ والصور والمعاني، وتوليف تحف روائية وفنية دون الحفاظ على تواضع حقيقي في فقه الأشياء، وإدراك الحقائق، وتمثل العالم واللغة، قرين شهوة التعلم. وفي فصل من كتاب “الروائي الساذج والحساس” يلتجئ أورهان باموك إلى استخدام مفهوم شيلر عن “السذاجة” المكتسبة والمحصنة  في الحفاظ على الوعي الخلاق بالرواية، ذلك الذي يجعل الأشكال والتفاصيل الفنية والمهارات الأسلوبية وكل ما يتصل بالخبرة أشياء جانبية وغير ذات أهمية، مقارنة بماهية التخيل الشديد الحساسية تجاه العالم.

أستحضر كل هذا الكلام وأنا بصدد تصفح رواية جديدة لروائي عربي بات يتحفنا كل سنة بإصدار جديد، من مئات الصفحات، في موضوعات شتى، لدرجة صرت أشك إن كان الرجل يكتب استنادا إلى ورشة يشغّل فيها مبتدئين يقومون بتجميع الوثائق والخرائط، وإعداد الجذاذات عن الشخصيات المصورة، (شيء شبيه بما بات دارجا لدى عدد كبير من الرسامين، ممن يستعينون بتلاميذهم) حيث يمكن أن تلاحظ قدرة فائقة على امتلاك الأسلوب، كما لا تنكر وجود خيال وصور وشخصيات وعالم فني مكتمل، لكنه يعجز عن تخطي المتاح، والشائع المتحقق الذي يعيد تذكيرك بنفسه في كل مرة، ويفشل في جعلك تستمر في القراءة، إنه النموذج المثالي لتحول المهارة إلى لعنة.

15