لعنة ماكبث في باريس

الأحد 2018/02/04
ثلاثة مشاهد من "ماكبث" بوصفه أمير حرب

تمتد مسيرة المخرج الفرنسي ستيفان برونشفيك لأكثر من ثلاثين عاما، قدّم فيها العشرات من العروض المسرحيّة في أشهر مسارح فرنسا والعواصم الأوروبيّة، ولا يقتصر نشاطه على الإخراج المسرحيّ بل أخرج كذلك عددا من الأوبرات لموزارت وفيردي وغيرهما، أما في باريس فأقيمت عروضه على خشبات الكولين والكوميدي فرانسيس، والأوديون الذي يديره منذ العام الماضي حيث قدم عرضا بعنوان “فجأة في الصيف السابق”، كما حصل على العديد من الجوائز أهمها في عام 2013 حيث نال وسام الشرف الوطني الفرنسيّ برتبة فارس عن الآداب والفنون.

يقول التقليد المسرحي إن مسرحية ماكبث لوليام شيكسبير ملعونة، ففي كلّ عرض لها يصاب أحد العاملين بمصيبة ما، فالتشاؤم منها يصل حدّ منع لفظ اسم ماكبث خارج العرض أو أثناء التحضير له لكون الاسم يحوي لعنة، لذا يشار لها باسم ” المسرحيّة الأسكتلندية” تجنبا لذكر الاسم الملعون، فماكبث تعتبر من أكثر نصوص شيكسبير دمويّة، ويصفها الناقد البولنديّ “يان كوت” بأنها لا تحتوي إلا على موضوعة واحدة فقط تحضر طوال النص، وهي القتل، وكأننا في عالم أفراده إما قتلة وإما مقتولون، هذا العام يحضر ماكبث وعوالمه بشكل معاصر على خشبة الأوديون بتوقيع المخرج ستيفان برونشفيك، لنترقب خلال ثلاث ساعات غابة تمشي وماكبث يُقتل على يد رجل لم تلده امرأة.

أول ما يشدّ الانتباه في المسرحيّة هو السينوغرافيا التي صممها برونشفيك نفسه والتي تعكس قراءته للنص، فالمسرحيّة ليست بالدموية المعتادة، فالعرض يركّز على مطامع ماكبث السياسيّة وتأثيرها عليه كإنسان، فالأحداث تدور في مكانين فقط، في المطبخ حيث السكاكين والرخام الملطخ بدماء ضحايا ماكبث، لننتقل بعدها إلى صالة فخمة تمثل البلاط وألاعيب السياسة وتنميقها الزائف، ليحضر التناقض بين فضاء المطبخ الغرائزي الذي يحدث فيه القتل الفرديّ وتحضر فيه الساحرات ونبوءاتهن، وبين الفضاء الأرستقراطي السياسي الذي تُقرّر فيه الحروب ومصائر الشعوب والجيوش.

يظهر ماكبث في المسرحيّة أشبه بأمير حرب، طماع، جشع، قاتل لا يعرف الرحمة، متهكم وساخر في بعض الأحيان، فهو يعكس صورة السياسي الطاغيّة، أما اللايدي ماكبث فلا نراها فعالة في دفع ماكبث إلى القتل أو حتى انعكاسا له، هي مجرد زوجة لطاغية تقف إلى جانبه، وتظهر ساذجة في بعض الأحيان.

لا تبدو الشخوص في المسرحيّة وحشيّة أو مهووسة بالانتقام أو السلطة حدّ الجنون، بل حتى أن علاقة ماكبث مع الساحرات تبدو “عاديّة” وأقرب إلى الكوميديا، وكأننا أمام قائد سياسيّ وأهوائه الشخصيّة بالسلطة لا قاتل تعميه الدماء، فالرعب الذي نتوقع أن نراه في ماكبث يتلاشى، لنرى أنفسنا أمام صراعات سياسيّة لا أمام صراع تراجيديّ ودماء لن تنتهي، لتبقى مشاهد القتل هي الوحيدة ذات التأثير الصادم وخصوصا حين نرى رأس ماكبث أمامنا على الخشبة، ثم تتويج ماكداف.

تعكس المسرحيّة صراعا بين قوتين يمثلان خيارات برونشفيك لمحركات التراجيديا بوصفها محاكمة لحقائق العالم، فنحن نرى البشري وطبيعته متمثلين في ماكبث القاتل، والسلطة ومؤسساتها التي تتمثل في ماكبث السياسيّ، لتصبح الحقيقة التراجيدية نتاج الصراع بين هاتين القوتين، وهذا ما يدفعنا إلى أن نطرح السؤال على أنفسنا نحن ضحايا هذه الصراعات، فهل ما نراه حقيقة هو صراع سياسيّ أم أهواء شخصيّة؟ وخصوصا أن ماكبث قتل من قبل وهو رجل معارك لا تخيفه الدماء، فالمسرحيّة تطرح التساؤلات عن قتل رأس السلطة، الملك صاحب السيادة الكاملة، وخصوصا أنه بعد قتله لدانكن يفقد ماكبث المرجعيّة الأخلاقيّة للقتل، وكأن قتل الملك الذي يُمكن له التعالي عن القانون والسلطة يؤدي إلى انحلال من نظام الأخلاق البشريّة، وكأن هذه الأخلاق نتاج نظام سياسي، ولا تلبث أن تتلاشى في مساحات الاستثناء التي تتحرك فوق النظام السياسي ذاته لكونها ترتبط بجسد الملك نفسه.

كاتب من سوريا

14