لعنة نابولي

غونزالو هيغوايين خسر تقريبا كل شيء، وها هو اليوم ينطلق من نقطة الصفر مع فريق ما زال إلى غاية اللحظة يبحث عن مجده الضائع وتوازنه المفقود.
الأحد 2018/08/19
من نقطة الصفر

عام مرّ وانتهى سريعا، بحساب الأيام انقضت 365 يوما بسرعة وانتهت معها مسيرة نجم ملأ الدنيا وشغل الناس قبيل الموسم الماضي في الدوري الإيطالي، لا أحد كان يتوقع أن تنتهي التجربة بهذه الطريقة، فكيف للاعب رصد لأجل التعاقد معه حوالي 100 مليون يورو أن يخرج من الباب الصغير ليغادر ويبدأ من نقطة الصفر؟

لكن هذا ما حدث مع الأرجنتيني غونزالو هيغوايين الذي قدم بعزّه ودلاله إلى فريق “السيدة العجوز″ قبل أن يغادر بعد عام يتيم نحو وجهة جديدة.

هل أنت لاعب غير محظوظ أم سيء السمعة يا غونزالو حتى يصيبك هذا السهم المرة تلو الأخرى، ليجعلك في كل مناسبة تخسر كل ما بنيته وشيّدته وتبدأ رحلة البناء من جديد؟

اليوم بدأ هذا المهاجم مرحلة مغايرة في مسيرته الرياضية ومن حسن حظه أنه وجد الميلان كي يحتضنه بعد أن ألقته “السيدة العجوز” بعيدا عن حضنها بمجرد قدوم ذلك الساحر العالمي كريستيانو رونالدو الذي ضحى بكل ما حقّقه مع ريال مدريد من أجل “عيون” اليوفي.

لكن هل أحسن المهاجم الأرجنتيني القرار بقبوله خروجا مفاجئا من بيت “سيدة إيطاليا” بعد أن كافح في نهاية الموسم كثيرا وتمرد على فريقه السابق من أجل إرضاء اليوفي؟

طبعا لا، فهيغوايين غادر نحو وجهة غامضة فسلك طريقا محفوفة بالمخاطر، لقد قبل أن يخرج من الفريق المسيطر والمهيمن والمرشح الأول دوما على الألقاب المحلية وكذلك المنافسة على اللقب الأوروبي الأغلى، واختار التوجه نحو فريق ما زال يعاني من أثار سنوات الضياع التي أبعدته عن ركب أندية الصفوف الأولى.

طبعا لم يحسن هيغوايين الاختيار والقرار، لأنه رضي على نفسه أن يكون انتقاله في إطار صفقة تبادل بين اليوفي والميلان، والحال أنه قدم قبيل الموسم الماضي إلى فريق تورينو كنجم مبجل وبطل منتظر، لقد تنازل هذا اللاعب عن كبريائه وارتضى أن يكون في هذه الصفقة في مرتبة اللاعبين من الدرجة الثانية، لقد تناسى كل الإنجازات التي حقّقها في السابق وعاد سنوات كثيرة إلى الوراء.

عاد وكأنه لاعب مغمور في مقتبل هاجسه الأول تثبيت أقدامه وهمّه الوحيد البحث عن فريق يضمن له اللعب باستمرار، بدا وكأنه يهرب من المنافسة التي قد تحدث بينه وبين القادم الجديد لليوفي رونالدو، بدا وكأنه يعلم جيدا أنه غير قادر على المنافسة، وظهر أنه غير واثق من قدرته على الصمود وتأكيد أحقيته بالبقاء مع الفريق الأقوى والأفضل في الدوري الإيطالي.

لو نعود قليلا إلى الوراء لمعاينة مسيرة هذا اللاعب، سندرك سريعا أنه اتخذ لنفسه مكانا ضمن الصف الثاني من نجوم الكرة، ففي سنة 2007 فتحت أمامه أبواب الشهرة والمجد بعد أن تعاقد معه ريال مدريد، كان المقام الجديد الذي سيمكث فيه رائعا للغاية، فهذا الفتى القادم من نادي ريفر بلايت وجد نفسه ضمن زمرة نجوم العالم مع الفريق الملكي.

نجح هيغوايين في سنواته الأولى، لقد ساعدته موهبته الفذة وحاسته التهديفية على التألق والبقاء لسنوات داخل أسوار القلعة البيضاء، بيد أن المقام الهنيء لم يستمر، لقد بدأ غوانزالو يفقد مكانته الأولى صلب الفريق بعد قدوم لاعبين جدد، فزاحمه الفرنسي كريم بن زيمة ونافسه البرتغالي رونالدو، فوجد نفسه مجبرا على الخروج من الباب الصغير بعد أن وضعته إدارة الريال على قائمة المغادرين بعد موسم 2012ـ2013.

انطلق هذا المهاجم باحثا عن الألق في مكان آخر، فاحتضنه نادي نابولي، كانت إدارة هذا الفريق وكذلك الجماهير تنظر إليه بعين “كبيرة”، لقد رأوا فيه الوريث الشرعي الذي طال انتظاره لخلافة الملك مارادونا على العرش في نابولي.

أحسن هيغوايين في تلك الفترة الاختيار، وفعلا نجح بسرعة فائقة في تقديم عروض مدهشة ورائعة للغاية، لقد أعاد الهيبة لنفسه دون أن يشعر، إذ أصبح معبود الجماهير في هذه المدينة بفضل غزارة عطائه وأهدافه المتتالية.

ووفق اللاعب من حيث لا يشعر في المساهمة ولو نسبيا في إعادة الحياة لهذا الفريق الذي فشل منذ رحيل الأسطورة مارادونا في المراهنة على الألقاب، لكن مع هيغوايين “حقّ” له أن يكون منافسا جديا على لقب الدوري الإيطالي خلال السنوات الأخيرة.

ورغم أن الفريق لم يتمكن بعد من تكرار إنجازات نهاية التسعينات من القرن الماضي، إلاّ أن عشاق فريق الجنوب الإيطالي كانوا يتأهبون كي يخلدوا هذا اللاعب الأرجنتيني في سجل “عظماء” النادي، كانوا يستعدون كي ينصبوه ملكا ضمن الأساطير، لكن هيغوايين صاحب الشخصية المرتبكة رفض العرض، أبى أن يكون ملكا يخلد اسمه التاريخ في نابولي.

لقد أغواه سحر يوفنتوس وأغرته الأموال الطائلة التي وضعت أمامه كي يتنازل عن منصب الملك ويتوجه نحو أحضان “السيدة العجوز” في بداية الموسم الماضي، قرّر سريعا الذهاب وترك كل الإرث في نابولي كي يلفه النسيان بعد أن حلم بالتلذّذ والتنعّم بالمبلغ الخرافي الذي رصدته له إدارة اليوفي.

لكن هيهات، فلعنة ترك مملكة نابولي ضربت بسرعة “الهارب” أو “الخائن” مثلما وصفته جماهير نابولي، فهيغوايين خسر تقريبا كل شيء، وها هو اليوم ينطلق من نقطة الصفر مع فريق ما زال إلى غاية اللحظة يبحث عن مجده الضائع وتوازنه المفقود.

23