أبريل 17, 2018

لغات كثيرة

الفلسفة التي أوصلت العقل والفكر الإنساني إلى هذه الدرجات الكبيرة من التطور والإبداع، لم تمنع من ظهور فلسفة القوة والعظمة عند فيخته ونيتشه.
مكر اللغة، أم مكر الإنسان (لوحة: حسين جمعان)

عندما اكتشف الإنسان اللغة لم يكن يدري أن لغات كثيرة سوف تولد من داخل هذه اللغة، وأن هناك لغات عديدة يتكلمها، دون حاجة إلى الكلام، لكن ما أدركه متأخرا أن هذه اللغة تمتلك سلطة تأثير كبير عليه، فتكون أداة تضليل له تارة، وتارة أخرى تكون وسيلة إغناء لحياته بالجمال والفكر والعاطفة.

جدلية هذه العلاقة تجعل اللغة الواحدة أكثر من لغة، حتى أصبح من الصعب رسم حدودها، لأن من يمتلك سلطتها، هو الذي يهبها معناها ويحدد لها وظيفتها. هنا تكمن عظمة اللغة وخطورتها في آن معا. هناك لغات الجسد، كلغة العيون ولغة الإشارة والأصابع ولغة الصمت. وهناك لغة المجاز ولغة النثر ولغة الدعاية، التي تزداد سطوتها في هذا العصر الذي يزداد فيه توحش العلاقات المادية وسلطة رأس المال. لغة العقل التي انتصرت في مجتمعات الحداثة، لم تمنع من ظهور لغة التعصب والكراهية والسيطرة، ولم تكن الحربان العالميتان إلا تعبيرا عن هذا الاختلاط العجيب بين اللغات.

كل هذا لم يمنع أن تتداخل لغة الأسطورة مع لغة الواقع ولغة الشعر والسينما. كذلك لم يمنع أن تتداخل لغة الموسيقى مع لغة الشعر ولغة الطبيعة والسينما والمشاعر الإنسانية، في فيضها ولحظات توترها. الفلسفة التي أوصلت العقل والفكر الإنساني إلى هذه الدرجات الكبيرة من التطور والإبداع، لم تمنع من ظهور فلسفة القوة والعظمة عند فيخته ونيتشه. فكر الرحمة في الدين لم يمنع ظهور فكر التطرف وتكفير الأخير حتى للمختلف داخل الدين الواحد. الحروب الدينية قديما وحديثا أديرت بلغات مختلفة للكراهية والعنف.

والسؤال هو هذا هو مكر اللغة، أم مكر الإنسان الذي غدر ببراءتها الأولى ووظيفتها كوسيلة للتواصل والتعبير عن المشاعر والحاجات؟ لا شك أن مكر الإنسان هو الذي خان اللغة ومازال، عندما استخدمها وسيلة للتضليل والتحريض على القتل والكراهية واستغلال الإنسان واستعباده.

لم تعد اللغة بريئة حتى لغة العلم عندما يتم توظيفها لتضليل الإنسان من قبل الشركات الصناعية الكبرى للترويج لمنتجات فيها تهديد لصحة الإنسان، أو كما يحدث مع جسد المرأة عندما يتم تسليع لغاته، من خلال جعله وسيلة للإثارة والترويج، لكن الأكثر فداحة هو اللغة التي يجري شحنها بالكراهية والعداء من أجل شن الحروب واغتيال الحياة.

المعجم الزاخر للغات التي استخدمتها الأنظمة الشمولية لم يكن أكثر من قفاز حريري يغطي قبضة حديدية. هتلر كان رساما وشاعرا وخطيبا يجيد بلاغة اللغة وحركة الجسد، لكن هذه اللغات لم تمنعه من أن يقود حربا كارثية ذهب ضحيتها أكثر من خمسين إنسانا.

15