لغة الأداء ولغة الولاء

المطلوب هو "أن نعالج موضوعات عصرية بلغة عصرية"، لأننا إذ نخاطب جمهورا ديمقراطيا يجب علينا أن نتخذ اللغة الديمقراطية.
الجمعة 2018/03/30
معالجة الموضوعات العصرية بلغة عصرية

تعاني المنظومة التعليمية الجزائرية من مشكلة كبيرة، وتتمثل في انتشار الإعاقة اللغوية في المدارس وفي المحيط الاجتماعي العام، ويعود السبب في ذلك إلى غياب لغة الأداء في البرامج الدراسية.

ومن المعروف أن الدراسات العلمية تؤكد أن ثمة علاقة عضوية بين اللغة وبين بنية العقل، وبين الإعاقة اللغوية والإعاقة الفكرية، ولقد عالج عالم اللغة الأميركي نعوم تشومسكي هذه المسألة في سلسلة من مؤلفاته منها “آفاق جديدة في دراسة اللغة والعقل”.

ولا شك أن التراث النقدي العربي يحفل بنظرات ثاقبة في خصوص قضية تشكيل اللغة للفكر الإنساني، وفي عصرنا نجد المفكر سلامة موسى يؤكد على وجود التأثير المتبادل بين قواعد البلاغة العربية وبين التخلف، وفي هذا الصدد أوضح أن قواعد هذه البلاغة التقليدية تحليلية، وجرّاء ذلك نجدها تربك العقل وتعرقل حركته.

ولتجاوز هذا يقترح سلامة موسى إعادة النظر بصرامة وحسم في هذه القواعد، إلى حد أنه قد دعا إلى تصفيتها وتجديدها وربما إلى الاستغناء عنها، وفي هذا الصدد يحاجج سلامة موسى بأن لغة الجاحظ لم تعد تلائمنا، وأنّ المطلوب هو “أن نعالج موضوعات عصرية بلغة عصرية”، لأننا “إذ نخاطب جمهورا ديمقراطيا يجب علينا أن نتخذ اللغة الديمقراطية، وإذا كانت كتب البلاغة العربية لم تذكر شيئا عن اللغة الديمقراطية، فلأن مؤلفيها لم يعيشوا قط في نظام ديمقراطي”.

ومن الواضح أن هدف سلامة موسى ليس التقليل من الإنجازات اللغوية الكبرى في الثقافة العربية، بل إن قصده من إثارة هذه القضية، هو تحويل اللغة إلى عامل حضاري فاعل، وجعلها لغة الأداء وليس لغة الولاء للزخرف البديعي الخارجي، وهكذا يتضح لنا أن المفكر سلامة موسى يلحّ بقوة على أهمية الارتقاء باللغة العربية لكي تصبح الحضارة بذاتها، وذلك على أساس فهم جديد، وهو أن اللغة كعلامة ثقافية هي ما “نتكوّن به”، أما اللغة كحضارة فهي”ما نعمل به”.

وفي هذا السياق يمكن أن يساعدنا المفكر جون سيرل المتخصّص في فلسفة اللغة على تعميق وعينا بمفهوم القواعد اللغوية المكوّنة، وفهمنا لدور اللغة كنوع “من الفعل الإنساني”، حيث أنّ اكتسابها يساهم في تقديره “في ازدياد القصدية”، و”في بناء العقل”، ووفقا لهذا المفكر، فإن العقل يبنى لغويا، وأنه من الممكن للأطفال في مرحلة ما قبل اللغة أن يمتلكوا أشكالا إبداعية من القصدية، غير أن هذه القصدية تبقى بدائية دون اكتساب اللغة.

إن اللغة التي يتحدث عنها جون سيرل، هي اللغة التي تكون أحكامها تركيبية وتقوم “على تأليف جديد بين المحمول والموضوع، ما يزيد محمولها معرفة بموضوعها”، وليس قواعد البلاغة التحليلية التي تكتفي بالتفسير وتقديم نفسها على أنها الواقع، وهي ليست كذلك.

15