لغة البراءة

الأربعاء 2017/05/10

في رسالة من الكاتب المسرحي سعدالله ونوس إلى النحات عاصم الباشا، قبل أزيد من ثلاثة عقود، تحدث بمفردات مدبّبة، وجارحة، ومريرة عن أسلوب النحات المخترق، استدعى إيحاءات مرزئة للوجوه المشوهة المفرغة من سمتها السوي، الطافحة قسماتها بالسخرية والهجاء. واستعمل تعابير مباشرة وأوصافا مقتصدة في إبراز دلالات الأشكال والانحناءات ونتوءات الكتل المعدنية الصلدة.

كانت رسالته تأويلا كاشفا، من قبل صانع كبير للحوارات والمحاورات الداخلية، ينقع العمل اليدوي في بركة مجازات… بيد أن سعدالله ونوس في مقطع معين من الرسالة، يتوقف ليقول “لا أستطيع الحديث إلا عن انطباعات، ورؤى شخصية؛ إذ أني لا أملك أي زاد أكاديمي أو نقدي، يؤهلني للكتابة عن النحت بمصطلحات النحت. وما تحمله هذه الرسالة لا يعدو نوعاً من البوح، الذي يتلعثم به تيار من الانفعالات والتخاطرات وشطحات الذاكرة”، وكأنما بالكاتب يعتذر لكل القراء المحتملين لهذه الرسالة، عن خذلانه، إن كانوا يبحثون عن فقه فني، فما هي إلا فضفضات، بـ”لغة البراءة”، تتوق إلى حصار انفعالاته بصدد منحوتات عاصم الباشا القاسية والتائهة في ظلمات الخراب.

تتراسل كلمات سعدالله ونوس الحية والحريفة عن كائنات حديدية وبرونزية صادمة، مع مقاطع عديدة ترد على ألسنة أدباء وموسيقيين وتشكيليين وسينمائيين أوان حديثهم عن ذخائر لا تنتمي إلى أداتهم التعبيرية، ذلك ما نلمسه في حديث ألبير قصيري (الروائي) عن رمسيس يونان (الرسام)، وفي محاورة الروائي التركي يشار كمال والرسام الكردي عبدين دينو، ملاحظات عميقة ممهورة بهيبة واعتذار عن جرأة طارئة في ولوج عالم لا يعلمون أسماءه كاملة، وعبارات تحاول أن تبقي على تلقائيتها في رصف الانطباعات.

يمكن هنا أن نتحدث عن لغة هشة نافرة من مدونة العارفين، وغير مخترقة بالمسكوكات الخشنة، تحاول أن تقول المعاني الممكنة بغير ما نزعة مصطلحية، لكنها تقول المشترك وتحدده بشكل أكثر وعيا ودقة، شيء شبيه بتعبيرات مارسيل بروست الناعمة واللماحة في وصف التأثيرات المعقدة والمستمرة لموسيقى فاغنر، ورسومات تيرنر، على إحساسه بالأشياء وإدراكه لجمالها، أو مفردات الولع العريق في حديث نجيب محفوظ عن أم كلثوم المستوطنة لنسوغ تخيلاته الروائية، لهذا لم يكن غريبا أن يعمد رسامون عديدون إلى تمثيل ملهميهم من الشعراء والروائيين والمسرحيين في بورتريهات تبدو تلقائية، أيضا، وبجنوح ظاهر إلى الاعتراف والبوح، فذلك على الأقل ما تنطق به لوحة فانتان: “حول المائدة” التي تنقل للرائي توله الفنان بشخصيتي الشاعرين فيرلين ورامبو، بشفافية وشفوف يضمرهما دوما كل حب بريء.

كاتب مغربي

15