لغة التضاد

الثلاثاء 2017/07/18

حين نتكلم ونتناقش ونعلق نفترض دائما أن هناك ضدّا لكل شيء. لكن الحقيقة أن الأشياء ليس لها مضادّ دائما. تتكلم عن سياسي بغيض وفاسد فتقول إنه حرامي فيجيبك من يدافع عنه ببساطة قائلا “بالعكس”.

منذ أن سمعت ردا كهذا إلى اليوم وأنا أفكر في “ما هو عكس الحرامي؟” أعرف أن الحرامي يسطو على البيوت أو المصارف. ماذا يفعل “عكس الحرامي”، هل يدخل إلى البيوت ليلا والناس نائمون ويضع فيها تلفزيونات وحليّا وفلوسا؟ هل يحفر نفقا تحت بناية المصرف ليصل إلى الخزانة ويعالج قفلها إلى أن يفتح بابها ويضع نقودا ويهرب؟ أظن أن من يقول “عكس الحرامي” لم يفكر في أي من هذا ويريد أن يقول إن ذلك السياسي ليس حراميا. لكن اعتياد التضادّ جاءه بفكرة عكس الحرامي وكان يكفي القول “ليس حراميا”.

وهناك من يعني ما يقول لكنه يظل دون تفكير. معظم المتزمتين المحافظين الذين يدافعون عن النقاب ويدعون إليه، مثلا، يقولون إن المرأة التي لا تتنقب عارية. تقول لأحدهم إن ارتداء النقاب إسراف في الاحتشام فيقول دون تفكير “هل تريد المرأة المسلمة عارية؟”.

كلنا نعرف أن بين ارتداء النقاب الكامل وبين العري طيف كامل من الاحتشام والخلاعة. هناك حجاب دون نقاب ثم نصف أكمام ثم من دون أكمام، بعد ذلك نأتي إلى طول الفستان وتدرجه وفتحة الصدر وسعتها وهكذا إلى أن نصل إلى البكيني. كل هذا والعري لا يزال بعيدا لبضع خطوات. ولا أذكر أني تحدثت عن النقاب وناقشته أمام أحد هؤلاء دون أن يقول هل تريدهن عاريات؟ لغة التضادّ لا ترضى إلا بحالتين فقط: التنقب والعري، والحياة ليست كذلك. الحياة أبدا أطياف وألوان ودرجات.

كان لي صديق يشبهني في احترامه للشحاذين واعتبارهم علامة حضارة ضاربة الجذور. المدن المتحضرة جدا فيها شحاذون يضفون على الشوارع والأرصفة لونا وفنا. وفيهم من ينتجون دراما ذات فصول. اذهب إلى حي الحسين في القاهرة أو إلى الدار البيضاء في المغرب، وأنا أضمن لك قضاء يوم كامل مبتسما مستمتعا بالنظر إلى الشحاذين والشحاذات وألاعيبهم. الجاحظ يصف الشحاذين ونقاباتهم وأصنافهم في بغداد العباسية، وتشعر أنهم جزء مكمل للحضارة. المهم، صاحبي هذا راح إلى إحدى حواضر الخليج الغنية جدا ذات العمارة الحديثة والأسواق العامرة والسيارات المبهرة.

حكى لي بحماس عن كل شيء في تلك المدينة وأطنب. سألته هل عندهم شحاذون؟ فقال دون تردد "بالعكس" قلت في سري "حتى أنت يا بروتس". مضى على هذا الحوار سبع سنوات ولا أزال إلى الآن أفكر في "عكس الشحاذ" وماذا يصنع.

24