لغة السرد

الخميس 2016/11/17

عندما نشر الروائي الراحل فؤاد التكرلي روايته المعروفة “الرجع البعيد” قبل سنوات طويلة، أحدثت موجة من النقد العربي في موضوعة حوارها العامي البغدادي وجدواه في أهمية السرد الروائي، فالرواية التي توفرت على حوارات عامية محلية رآها كثيرون أثقلت السرد وأدخلته في غموض لغوي، وما كان التكرلي به حاجة إليها لو تركها تجري على رسلها في سياقها السردي بدلا من أن يحشوها بالعامية العراقية المفرطة، التي لم تكن منتشرة كثيرا في وسائط الإعلام المختلفة في فترة صدور الرواية، وهو ما حال دون فهمها من قبل قراء ونقاد عرب، الأمر الذي تداركه التكرلي بعد سنوات طويلة من “تفصيح” اللهجة العامية، كي يتسنى لقارئ غير عراقي أن يفهمها.

لكن الأدب السردي العربي والمصري مثلا شهد مثل هذه العامية على يد نجيب محفوظ وتوفيق الحكيم ويوسف إدريس وحتى من بعض مبدعي الأجيال اللاحقة كصنع الله إبراهيم في روايته “شرف” وغيره ممّن رأى أن اللهجة العامية فيها طاقة تغذي السياق السردي في تكوينه الإبداعي لا سيما الحواريات التي تتطلب واقعية أكبر لتكسب مصداقية شعبية، وبالتالي تكسب قارئها الذي يستطيب هذا اللون القريب من لسانه.

بين فترة وأخرى يثار موضوع اللغة في الصحافة الثقافة العربية، لا سيما مع صدور أعمال سردية مشبّعة بالرائحة المحلية لغة أو حوارا، وهو موضوع يتجدد عادة لما له من أهمية في قراءة الأثر المحلي عبر حوارياته، فاللغة عماد الأثر الأدبي الإبداعي وعموده الفقري المتين كما نعرف، ولا يمكن تجاوز هذه الحقيقة تحت ذريعة التجديد أو التجاوز الشكلي وتبقى رصانة اللغة مغذّية لرصانة السرد في الأحوال كلها.

ليست اللهجة العامية طارئة على الحياة فهي التداول الأول بيننا قبل معرفة الكتابة، وجاءت الفصحى لترسيخ فكرة اللغة بوصفها الأداة الأولى للتفاهم والتقارب وتشذيبها من الدخيل والطارئ الأعجمي كما نفهم، لذلك اختلفت قياسات النقد في رؤياه إلى الأعمال الأدبية السردية من رواية وقصة بوجه خاص. وإذا ما استثنينا الشعر بوصفه منظومة فصحى في تأسيساته القديمة، فإن بقية الأجناس الأدبية تماهت بهذه الدرجة أو تلك من اللهجة اليومية المحكية وفق تبريرات هي أيضا خضعت لرؤيا الكتّاب أنفسهم بدعوى خلق لغة وسطية تستميل القارئ إليها.

ما يسمّونه بـ”اللغة الثانية” وهي العامية ترادفها تسمية أخرى هي “اللغة الثالثة” التي وقفت بطريقة وسطية تحاور العامية والفصحى معا، كما فعل غائب طعمة فرمان في روايتيه “خمسة أصوات” و”النخلة والجيران” في محاولة لإيجاد الصوت المفقود الذي يتناوبه المثقف والبسيط في الحياة اليومية الاجتماعية، فاسترسل بأجواء اجتماعية شعبية، لكن بتركيبة فصيحة من دون أن يكون تابعا لسرد حواري عامي ومواظبته لتقريب وجهات النظر الشعبية تحت طائلة إيجاد مَخرج فني يتناسب والشخصيات المحلية التي تعيش راهنها بلا حوارات مقحمة بالبلاغة والبيان أي الاشتغال على الجملة الشعبية أكثر من اشتغاله على الجملة العامية.

هذه التباينات شكلت آراء مختلفة في جدوى الكتابة بالعامية، وهي آراء بقيت فردية من الكتّاب أنفسهم، تحت تسمية اللغة الوسطية أو اللغة الثانية، وبقي النقد صارما في أحيان كثيرة بتوجّهاته الأبوية في الانتماء إلى اللغة العربية الفصحى داعيا إلى توثيقها بجدية أكبر في الأعمال السردية المتعارف عليها، وترك العامية لحاضنتها في الشعر الشعبي أو النبطي، ليبقى السرد الأدبي عالما فصيحا بتجلياته المختلفة ويبقى أيضا وسيلة من وسائل الاتصال اللغوي بين القرّاء العرب، فاللهجات العربية تختلف من مكان إلى مكان وفيها صعوبات تتباين من مكان إلى مكان.

كاتب من العراق

14