لغة العينين

الأربعاء 2015/09/30

الكلام في تعريفه البسيط هو الاعتراف، والبوح والفضفضة، قبل أن يكون علامة تعرّف على الكون، وخوض متاهات التواصل، هو حياة بذاتها حين كان الصمت يعني العذاب أو الإعدام الخفي. لهذا بات الكلام عبر اللسان بداية، دون أن يكون نهاية في توليد المعنى. لقد خلقت للحواس لغات مخفية، نتمثلها كمجاز وتعدّ، واحتمال يكشف الممتنع عن لغة اللسان.

طبيعي إذن أن يتلاشى نعت الكلام، في تفاصيل المستتر من سنن التخاطب، إذ الحاجة إليه في دلالات اليومي المتطلب، تنجاب عنه، ولا تحتاجه دوما، فتصير نعوت “الإشارة” و“المعنى”، و“الرسالة” و“الوحي”، أبلغ وأكثر انتشارا في أدب الاعتراف، والاضطهاد، والإكراه على القول، روايات عديدة تمثُل إلى الذهن حيث الكلام ممتنع وتنوب عنه لغة الحواس، أو مجازات التلفظ غير الطوعي، لعل أشهرها في السياق العربي رواية “شرق المتوسط” لعبدالرحمن منيف حين يحدث الجلاد ضحيته قائلا “لخليك ستولف بالسبع لغات”.

هكذا يتجلى الكلام المشخّص، والمؤسلب، بما هو فضيحة مرزئة، وبكشف لما ينبغي أن يستر في الصدور، ذاك الذي قد تنطق به العينان أساسا، دون حاجة لثرثرة متلبّكة، والذي قال عنه أحمد شوقي ذات تجلّ “وتعطلت لغة الكلام وخاطبت *** عيناي في لغة الهوى عيناك”، وقد صدح به صوت أم كلثوم وعشاقها عقودا ولا يزالون.

تخايلت إلى ذهني دلالات الفضيحة والاعتراف ولغة العينين والكلام المخفي، وأنا أتابع فيلم “سر عينيه” للمخرج الأرجنتيني البارع خوان خوصي كامبانيا، الحائز على أوسكار أحسن فيلم أجنبي سنة 2010، فيلم يحكي عن جريمة اغتصاب وقتل، مثل تلك التي يشهدها العالم كل يوم مئات المرات… زوجة يافعة بابتسامة ياسمينية خرجت من منزلها صبيحة يوم خريفي دون أن تعود، كانت جريمة غامضة ودون مبررات، وعجز المحققون عن إيجاد دلائل على هوية الجاني، فقط صورة في ألبوم قديم للعائلة دلت على الجاني العصابي، التقطت للفتاة في مرحلة الجامعة مع زملائها، كانت صورة تلقائية، تلتقط فطرية الطلبة المتحلقين حول بعضهم في مرح طفولي، الكل ينظر إلى آلة التصوير الثابتة، سوى شخص واحد ينظر إلى صدر الفتاة؛ كانت نظرته مقتحمة، تحكي كلاما بغير لسان.

لكن في النهاية يبقى “سر عينيه” عملا فنيا هُيّئت له مجمل مقومات الإنجاز، فهو غير تلك الشرائط القصيرة الملتقطة بعشوائية للشهادة على قسوة الكلام وثقله وامتناعه، بل ابتذاله في النهاية.

ذلك ما تقوله لقطة تسجيلية قصيرة لحاجّ نفذت روحه من نكبة “منى” في المشاعر المقدسة، لم يتحدث ولم يلتقط كلاما، كان الاعتراف في لغة العينين.

كاتب من المغرب

15