لغز الطائرة العسكرية القطرية يشكك بحياد تونس إزاء الأزمة الليبية

خشية من اصطفاف غير مُعلن مع المحور القطري التركي، ودعوات ملحة إلى إخراج الدبلوماسية التونسية من دائرة التردد.
الاثنين 2019/04/22
الإسلاميون يعولون على دعم تونسي لإنقاذهم

طائرة عسكرية قطرية تحط في مطار جربة جنوب تونس تثير شكوك التونسيين والليبيين بأن تكون محملة بالأسلحة لدعم الميليشيات في العاصمة طرابلس، التي يحاربها الجيش الليبي منذ أكثر من أسبوعين.

تونس - أثار الكشف عن هبوط طائرة عسكرية قطرية في مطار جربة بجنوب شرق تونس، جدلا وضع موقف الحياد الذي تقول السلطات الرسمية إنها تلتزم به في مقاربتها للملف الليبي، في دائرة التساؤلات المشروعة، لاسيما في هذا التوقيت الذي باتت فيه تطورات معركة تحرير طرابلس تفرض إيقاعها على مُجمل الحراك السياسي والدبلوماسي على الصعيدين الإقليمي والدولي.

ولم تُفلح التوضيحات التي قدّمتها الجمارك التونسية حول ملابسات هبوط تلك الطائرة، في الحد من تلك التساؤلات ولا تبديد المخاوف التي رافقتها من أن يكون ذلك “الحياد” مجرد غطاء لـ”اصطفاف غير مُعلن” لا يخدم مصالح البلاد، ولا يُراعي المُتغيرات الميدانية في مُحيط العاصمة طرابلس.

وساهمت تلك التوضيحات بطريقة أو بأخرى، في إضفاء المزيد من المشروعية على تلك التساؤلات، وفسحت المجال أمام عودة الحديث من جديد حول دور حركة النهضة الإسلامية، وتأثيرها على السياسية الخارجية للبلاد، وتحديدا في ما يتعلق بالملف الليبي لارتباطه المباشر بالمحور القطري-التركي، الذي كثّف من ضغوطه الدبلوماسية وإغراءاته المالية لانتزاع مواقف سياسية لصالح أدواته الوظيفية في طرابلس.

جدل الطائرة يعيد إلى الأذهان سماح تونس في 2011 بمرور كميات من السلاح القطري إلى ليبيا للإطاحة بالقذافي

وكانت الإدارة العامة للجمارك التونسية قد أصدرت السبت، بيانا أقرّت فيه بهبوط طائرة نقل عسكرية قطرية في مطار جربة-جرجيس الدولي، وذلك بعد يوم من كشف النائبة عن نداء تونس، لمياء المليح، عن هبوط تلك الطائرة في المطار المذكور، في تدوينة لها أثارت ضجة كبيرة على مواقع التواصل الاجتماعي.

وأشارت في تدوينتها إلى أن تلك الطائرة كانت مُحملة بالأسلحة والعتاد والذخيرة لدعم الميليشيات والدواعش في طرابلس الليبية، وهو ما نفته الجمارك التونسية في بيانها الذي أكدت فيه أن الطائرة العسكرية المذكورة “حطت فعلا بمطار جربة -جرجيس الاثنين الماضي، لأسباب وصفتها بـ’الفنية’، وذلك بعد الحصول على التراخيص الضرورية من السلطات الوطنية الجوية المدنية والعسكرية وكان على متنها طاقمها المتكون من 11 عسكريا وعدد من أفراد الجيش القطري”.

وأضافت “لم يكن على متن الطائرة أيّ معدّات عسكرية حسب بيان الحمولة الذي تمّ التصريح به لسلطة الإشراف بالمطار، ولم يتم إنزال أي بضائع أو معدّات على أرض المطار”.

لكن هذا النفي لم يُقنع المتابعين للشأن التونسي، وعمق شكوكهم، وسط تساؤلات حول لماذا تُكلف الجمارك بإصدار هذا النفي، وليس وزارتي الدفاع أو الداخلية باعتبار أن الأمر يتعلق بطائرة عسكرية، وبأنباء مُتضاربة حول سلاح وعتاد عسكري.

ولم تُكلف السلطات التونسية الرسمية نفسها عناء الرد على تلك التساؤلات، وذلك في الوقت الذي أكدت فيه مصادر تونسية وأخرى ليبية أن الطائرة المذكورة هي من نوع سي 17، وقد أفرغت حمولة ثلاث شاحنات تحركت مباشرة إلى ميناء الكتف، حيث أفرغت هي الأخرى حمولتها في زورقين سريعين توجها إلى ميناء زوارة الليبية.

واختارت الأوساط السياسية التونسية الحذر في التعليق على تلك الأنباء بالنظر إلى دقة هذه المسألة وحساسيتها السياسية والأمنية، حيث اكتفت بطرح جملة من التساؤلات، تجاوزت التفاصيل المحيطة بملابسات هبوط تلك الطائرة، إلى ما هو سياسي في علاقة بموقف تونس من عملية تحرير طرابلس، والحراك الذي جاء فيه الكشف عن هذه الطائرة.

وانطوى ذلك الحراك على غموض سياسي، باعتبار أنه في الوقت الذي كانت فيه تلك الطائرة تربض في مطار جربة- جرجيس، القتى الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي في قصر قرطاج، مع أحمد معيتيق، النائب الأول لرئيس المجلس الرئاسي الليبي، وبعد ذلك بيوم التقى وزير الخارجية خميس الجهيناوي برئيس المجلس الأعلى للدولة في ليبيا، خالد المشري.

ويُعتبر معيتيق والمشري من أبرز الشخصيات المحسوبة على جماعة الإخوان المسلمين، والداعمة للميليشيات التي تأتمر بأوامر قطر وتركيا، الأمر الذي دفع البعض من المراقبين إلى الربط بين تلك اللقاءات وملف الطائرة القطرية، وهو ربط يبقى قائما ما لم تنف السلطات الرسمية ذلك.

Thumbnail

وزاد الإعلان عن لقاء راشد الغنوشي بالرئيس قائد السبسي بعد تلك اللقاءات في اتساع رقعة علامات الاستفهام المحيطة بلغز الطائرة القطرية، الذي أعاد على الأذهان إقدام تونس في العام 2011 إبان حكومة الرئيس قائد السبسي، على السماح بمرور كميات هائلة من السلاح القطري إلى ليبيا لمساندة الميليشيات في عملياتها للإطاحة بالعقيد الليبي الراحل معمر القذافي.

وأقرّ أمراء الميليشيات، ومن بينهم الأمير السابق للجماعة الليبية المقاتلة عبدالحكيم بالحاج بذلك الدعم الذي تم في 2011، ليُصبح السؤال في العام 2019، هو هل حسمت تونس خيارها بدعم الإرهاب في ليبيا، وبالتالي الاصطفاف إلى المحور القطري-التركي؟

ويكتسي هذا التساؤل أهمية كبيرة، لاسيما في هذه الفترة التي أقترب فيها الجيش الليبي من حسم معركة تحرير العاصمة طرابلس، بينما لا تزال الدبلوماسية التونسية تتمسك بدعم فايز السراج بحجة الدفاع عن الشرعية، بأداء يتسم بالارتباك والتخبط الأمر الذي دفع الدبلوماسي السابق سمير بن عبدالله إلى التحذير من هذا الارتباك على مصالح الدولة.

واعتبر في تدوينة له أن “حكومة السراج في طرابلس المسنودة داخليا أساسا من ميليشيات إخوانية ومجموعات إرهابية… وهي مدعومة من قوى ثانوية معروفة بمساندتها للإسلام السياسي، وخسرت معاركها في أكثر من قطر عربي بدءا بمصر وسوريا ولبنان إلى السودان.. بل إن الإسلام السياسي يتراجع في عقر داره بتركيا بخسارة بلديات استراتيجية”.

والمعادلة في ليبيا حسب تقديره “أصبحت واضحة وميزان القوى حسم لفائدة الجيش الليبي الذي يقوده حفتر وحلفاؤه.. وأي تسوية سياسية أصبحت بمثابة السراب.. ولن تتحقّق إلا بالحسم العسكري على الأرض.. فهل تونس لم تقرأ كل هذه الحقائق على الأرض؟ من الغريب والمدهش أن بلادنا بقيت دولة الجوار الوحيدة التي يتّسم موقفها بالتردّد والتذبذب”.

4