لغز الكوميديا الضائع

الأحد 2015/07/12

البحث في نموذج للإضحاك يعد من المهمّات الصعبة في تاريخ الدراسات النقدية وتاريخ الأدب، فالنموذج الأول للإضحاك أو اللوغوس، ضائع، أي أن النظرية الأولى التي ترسم معالم الكوميديا ليست موجودة، فكتاب أرسطو (فن الشعر)، الكتاب الأول في التنظير النقدي للمسرح والملحمة في الغرب كان يحوي ثلاثة أقسام رئيسيّة، الملحمة والتراجيديا والكوميديا، الجزء الأخير الخاص بالكوميديا ضائع، وتقول بعض التأويلات إن السلطة في تلك الفترة عَمِدت إلى عدم انتشار هذا الكتاب، لما تحمله الكوميديا من مفهوم نقدي للسلطة وللدين، فالتراجيديا في بنيتها الجوهرية تقوم على أساس التطهير، الذي يدعو للاستكانة لا للتغيير، فالتطهير هو نوع من التفريغ، ودعوة للانصياع للسلطة أو الآلهة كي لا ينتهي مصير المشاهد كالمصير الدموي للبطل التراجيدي، الفرضية السابقة دفعت الروائي والسيميائي الإيطالي (أومبيرتو إيكو) لتأليف روايته (اسم الوردة) والتي تتخلل حبكتها فرضية كتاب الكوميديا الضائع لما يحمله مفهوم الكوميديا الثوري من تشويق وأهمية اجتماعيّة.

تخطيط: ساي سرحان

إيجاد مراجع عن الإضحاك أو نموذج للإضحاك يعتبر بحثاً لا يفضي للكثير من مفردات التحليل كحالة التراجيديا، بالرغم من أن أشهر الكتب في هذا المجال هي كتاب (الضحك) لهنري بيرغسون، إلا أنه لا يقدم غوصاً في بنية الكوميديا، بل يكتفي بذكر الحالات التي تستثير الضحك وما يميزها عن غيرها، كما بالإمكان القراءة عن الغروتيسك والساتير لدى ميخائيل باخيتن ويان كوت، أو بعض أعمال الروائيين الكبار مثل ميلان كونديرا في (كتاب الضحك والنسيان)، إلا أن الكوميديا كجوهر ما تزال ضائعة ومن الصعب تحديد ملامحها.

كما يمكن التعرف على أنواع الإضحاك المختلفة مثل السخرية والمحاكاة الساخرة والتهكم وإبراز العيوب ومغالطة الواقع إلا أن إتقان هذه الأنواع يحتاج لمرجعيات متعددة وثقافة عالية لدى كل من المؤدي/الكاتب ولدى المتلقي، فإدراك المرجعيات التي يتم مغالطتها والعيوب التي يتم انتقادها هو ما يكسب الكوميديا روحها النقدية، لا نكات الموقف والبذاءة التي لا تتعدى التهريج أو الإضحاك الآني الذي لا يدفع للتفكير أو تفكيك البنية التي يحاكمها فعل الإضحاك، وهذه المرجعية لا تقتصر على الواقع وعيوبه ومؤسساته سواء الاجتماعية أو السلطوية، بل تتجاوز ذلك لإعادة إنتاج تاريخ الأدب والفن بصورة ساخرة، للتشكيك بالقيمة الفنية من جهة واختبار سياقات جديدة تحاكم السياق والعمل الفني في ذات الوقت، أمّا ما هو ساتيري أو غروتسكي يمكن أن يكون ضمن بنية العمل أو أن يحال إلى طبيعة قراءة العمل كحالة يان كوت في قراءته لشكسبير، الذي رأى في الملك لير صيغة كوميدية غروتيسكية، فالكوميديا الغروتيسكية هنا تعود لطبيعة القراءة النقدية لدى يان كوت وعمق النص الشكسبيري وهذا ما يصعّب إيجاده لدى مسرحي أو مؤلف معاصر مثلا من الممكن أن تحمله أعماله إن خضعت للقراءة المعمقة قراءات متناقضة بين الكوميديا والتراجيديا.

بالرغم من أن تاريخ الكوميديا مليء بالمؤلفات إلا أن غياب اللوغوس أو المرجع الأول للكوميديا هو ما يكسب هذا الفن سحره، وهو ما يجعل شخصيات كالمهرج والبهلول شخصيات إشكالية تغري الكثيرين إما لكتابتها أو تأديتها، ويعود ذلك لصراحتها في وجه المؤسسة أو السلطة أو تنبئها بما سيحصل بالإضافة إلى العديد من الأسباب التي تتعلق بالصلاحيات التي تمتلكها هذه الشخصيات والتي تتجاوز النسق الطبيعي أو التقليدي.

أمّا القصور الذي نشهده حالياً في الحالة الثقافية والفنية في المنطقة العربيّة لا يعود لضياع كتاب الكوميديا، بل بسبب الجهل بتقنيات الفن، ما خلق نماذج لا تتجاوز الإضحاك السطحي الخالي من العمق النقدي الذي تمتلكه الكوميديا، ويعود سبب ذلك إلى جهل المؤسسة التي تدعم العمل الفني، أو جهل المؤلف/المؤدي بالكوميديا، وعدم امتلاك الوعي الكافي للتفريق بين ما هو مبتذل وما هو كوميدي، أي التفريق بين التهريج وبين الكوميديا، بالتالي لا يمكن التعويل عليها في أيّ تغيير أو نقد، بل نراها تندثر وتتلاشى، إلا ما يمكن استثناؤه من بعض المحاولات الساتيرية التي تنشر من فترة لأخرى والتي تعتبر محاولات ناجحة للتأسيس للكوميديا الساتيرية التي تدمج الإضحاك مع الانتقاد.

كاتب من سوريا مقيم في باريس

11