لغز المونسنيور منصور لبكي والمحكمة الكنسية السرية

السبت 2014/11/15
المونسنيور منصور لبكي ربى ثمانية آلاف ولد

الكنيسة في مفهوم اللاهوت جسد المسيح السري على الأرض، ورجالات الكنيسة هم ممثلو المسيح على الأرض بدءاً برئيسهم المنتخب الذي هو البابا حتى آخر كاهن في آخر أقاصي الأرض يقيم الذبيحة الإلهية، وبالتالي فكل تعاليم رجال الدين هي تعاليم مقدسة ولا يجوز المسّ بها أو تحويرها أو تغييرها. هذه المفاهيم التي رافقت الكنيسة عبر التاريخ جعلت من رجال الكنيسة أناسا مقدسين ومحترمين ومبجلين وفوق الشبهات، وعندما كان يخطئ كاهن ما يسارع رؤساؤه أو رهبانيته أو أسقفه إلى معاقبته أو نصحه أو إرشاده ولفلفة الموضوع.

وفي الأيام الماضية خرج المونسنيور منصور لبكي عن صمته الطويل، فتحدث عن “التجربة المريرة” التي مر بها، وقال: “كل ما اطلبه أن أقف أمام قداسة البابا والكرادلة والأساقفة والمحامين وأولادي. على الأقل ليستمعوا إلى أولادي الروحيين والأساقفة والرئيسات العامات الذين عملت معهم على مدى سنوات طويلة، فأنا ربيت ثمانية آلاف ولد”.


وسام العائلة


المونسنيور اللبناني الأب منصور لبكي، أسس في أواسط السبعينات بيت “سيدة الفرح” لإيواء أيتام مجزرة الدامور، مرّت سنوات قليلة، صار خلالها الكاهن أباً لأطفالٍ كثيرين شردتهم الحرب، يؤويهم، يعلمهم، ينشدون تراتيله، بعبارات ضئيلة، ذاع صيته، وعلى هذا النحو، عرفه الكثيرون وقلّدوه أوسمة تفوق عدد سنواته، ولعل أجملها كان “وسام العائلة”.

في العام 1977، بدأ الكاهن حياته “النبيلة” مع الأطفال. مارس الأبوة مع من فقدوها. ولكنه الآن وبعد 35 سنة تساوي عمرا كاملا، أصبح مشتبها فيه بارتكاب جرائم الاغتصاب والتحرّش في لحظة “ضياع”، يتهمون الرجل بأنه فقد نبله وانفلشت له قصص أخرى، لا أبوة فيها، صار هذا الكاهن مدرجاً على اللائحة المؤلمة للكهنة “المدانين بالاعتداء الجنسي على القاصرين”، بحسب ما نقلت صحيفة “لاكروا” الفرنسية في العام 2013، نقلاً عن “مجمع العقيدة الإيماني في الفاتيكان”.


الاعتداء على القاصرين


وبحسب الصحيفة نفسها، ونقلاً عن المجمع نفسه، “أدين الكاهن اللبناني بجريمة الاعتداء على قاصرين”، وادّعت الصحيفة أنه ثبت منها فعلياً ما “افتعله” مع ثلاثة قاصرين. هذا الحكم الذي يأتي بعد عامين “من التحقيق في القضية التي رفعت في فرنسا والتي استندت إلى سبع عشرة شهادة مكتوبة لأشخاص اعتدى عليهم لبكي في صغرهم في المياتم التي أسسها في لبنان وفرنسا بعد الحرب الأهلية، ومن بينهم ابنة أخ الأب لبكي التي اعتدى عليها الأخير في الثامنة من عمرها”. شهادات قد لا تبقى وحيدة، وقد تخرج في وقتٍ لاحق قصص “جنسية” بقيت سنوات طويلة مطوية تحت أسقف بيوتاته في لبنان وفرنسا.

مرت سنوات طويلة، صار خلالها الكاهن منصور لبكي أبا لأطفال كثيرين شردتهم الحرب، يؤويهم، يعلمهم، ينشدون تراتيله، فعرفه الكثيرون وقلدوه أوسمة تفوق عدد سنواته، لعل أجملها كان "وسام العائلة"


العقوبات


سبع عشرة شهادة كتبها أصحابها انتهت بالعقوبة التالية التي فرضها المجمع: “منع الكاهن من ترؤس القداديس والخدمة الكهنوتية والتكفير عن الذنب بعيداً عن القاصرين والصلاة ومنع أي وسيلة اتصال مع ضحاياه”. وبهدوء، نقلوه إلى “دير راهبات دير الصليب في برومانا ليتنسك”، تقول مصادر أخرى متابعة لما حدث.

ابن شقيق لبكي المحامي أرز لبكي، أكد أن الكاهن “خضع لمحاكمة غير عادلة وتعرض لحملة تشهير كبيرة منذ العام 2010″، شارحاً أن “السبب الرئيسي لهذه الحملة هو نقله لإدارة (بيت مريم نجمة الشرق) من يد إحدى الفرنسيات، التي كانت تديره والتي كانت تريد إعطاءه لمجموعة فرنسية أخرى، إلى رهبانية لبنانية”.


رسائل من اليهود


وقال: “كان الكاهن في العام نفسه قد تلقى رسائل تهديد بعد أن توفيت إحدى أبرز الفيلسوفات اليهوديات، التي أبت إلا أن تتعمّد على يده ومن ثم على فراش الموت، أبت إلا أن تتلقى الأسرار الأخيرة منه، وهذا ما نشرته صحف فرنسية وعالمية”، مشيراً إلى أن مفاد هذه الرسائل ما يلي: “هذه الجريمة التي ارتكبتها لن تمر مرور الكرام”.

الأب منصور لبكي من مواليد بعبدات – المتن في 10 آذار 1940. والده أنطون نجم لبكي. والدته سيدة قرباني. درس المرحلة الابتدائية في معهد راهبات البوزونسون في بعبدات، درس الفلسفة واللاهوت والموسيقى في جامعة القديس يوسف في بيروت، إضافة إلى علم النفس وتاريخ الفلسفة العربية في جامعة الروح القدس في الكسليك. ثم حاز على إجازة في الفلسفة واللاهوت. ورُسِّمَ كاهنًا في بيروت في 26 مارس 1966. حيث تولّى إدارة فرع المدرسة الإكليريكية في غزير ومدرسة الحكمة في بيروت، وخدم رعية بلدة الدامور حتى تاريخ تدميرها في الحرب.

لماذا يحرم الأب منصور لبكي من فرصة الدفاع عن نفسه ومواجهة ضحاياه؟ وهل للقضية أبعاد لم يكن هدفها الخوف على الأطفال، بقدر ما هي فضحه في مكان ما؟


رفيق المطران أبو جوده


بين العامين 1976 و1977 رافق لبكي المطران رولان أبو جوده بطلب من البطريركية المارونية في زيارة إلى الولايات المتحدة الأميركية وكندا وأفريقيا لتنفيذ حملة إعلامية لشرح قضية لبنان ومعاناة شعبه، ليؤسس بعدها “بيت سيدة الفرح” في بلدة عين سعادة للعناية بيتامى الحرب الذين فقدوا آباءهم ودُمّرَت منازلهم وهُجّروا من قراهم. وأسس جوقة “منشدو لبنان الصغار”. وفي العام 1982 أنشأ دار الكرمة للنشر، ثم قام بجولة إعلامية في الولايات المتحدة الأميركية بتكليف من البعثة البابوية في بيروت.

وفي فرنسا شيّد بيتًا لبنانيًا لإيواء مجموعة من اليتامى بمن فيهم أولاد شهداء الجيش اللبناني. وفي العام 1990 أسس الحركة الروحية “لوتدحال ـ لا تخف”. وعُيِّن مرشدًا روحيًا لمنظمة مالطا في لبنان من قبل الفاتيكان، وفي العام 2000 أسس “جماعة القديسة إيف” التي تضمّ نخبة من المحامين يدافعون مجّانًا عن الفقراء، ثم أسس جماعة “يدًا بيد” من وحي الرسالة الحبرية “أمل جديد للبنان”.


في باريس


في باريس، تلمّس لبكي التحوّل الكبير الذي ميّز المجتمع الأوروبي عمومًا والفرنسي خصوصًا وكيفية انقلابه الناجح والسريع على زلزال الحرب العالمية الثانية.

أسّس لبكي العديد من المؤسسات الإنسانية التي لا تزال حتى اليوم تحافظ على جوهر رسالتها الأمر الذي يعكس مصداقية المؤسس وتجرّده وجدّيته. و هكذا، أمضى المونسنيور لبكي فترة الخمسينات حتى أواسط الستينات على مقاعد الدراسة، وأنعش الليتورجيا المارونية بترانيمه وموسيقاه التي أعطت للكنيسة المحلية جاذبيتها للنخب الشابة حيث أن إدخال أسلوبه الفنّي إلى الترنيمة الروحية أحدث ما يشبه الثورة الإيجابية في حركة التواصل بين الكنيسة والشعب.

نشرت الجريدة الفرنسية "لاكروا" أن "الحكم الذي يأتي بعد عامين من التحقيق في القضية التي رفعت في فرنسا والتي استندت إلى سبع عشرة شهادة مكتوبة لأشخاص اعتدى عليهم لبكي في صغرهم في المياتم التي أسسها في لبنان وفرنسا بعد الحرب الأهلية، ومن بينهم ابنة أخ الأب لبكي التي اعتدى عليها الأخير في الثامنة من عمرها"

أصدر كتابه “أرز لبنان” في العام 1982 وأسهم في ترجمة التراث الكنسي الماروني من السريانية والعربية إلى الإنكليزية. لم يقف نشاطه الرائد هذا عند حدود اللغة الإنكليزية بل عمد بين العامين 1986 و1995 إلى تأليف 200 ترتيلة تُرجمت كلّها إلى لغات عدّة. وأسس فرقًا عدّة درّبها على إنشاد الأغاني الروحية والوطنية، وألقى لبكي ما يزيد عن 1700 محاضرة واشترك في مؤتمرات محلية، إقليمية ودولية حمل فيها لواء الدفاع عن حقوق المتألمين والمعوّقين والجرحى واليتامى. وقد تردد صدى صوته في كبرى المدن العالمية لا سيما في الفليبين والمكسيك وفرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة الأميركية.


8 آلاف قس يتحرشون بالأطفال


البابا فرانسيس وفي حواره لصحيفة “لا ريبوبليكا” الإيطالية فجر مفاجأة بخصوص نسبة القساوسة المولعين بممارسة الجنس مع الأطفال، والتي حدّدها بـ2 بالمئة، وقوبلت بمحاولات تشكيك من بعض مسؤولي الفاتيكان، تكشف بجلاء الحال الذي وصل إليه بعض القساوسة، وتورطهم في فضائح وجرائم يرتكبونها ضد الأطفال، وأن المسألة وصلت إلى حد “الهوس” و”الولع”، على حد تعبير البابا، أو أشبه بـ”مرض الجذام” الذي أصاب رجالًا المفترض أنهم يقومون على تعاليم دينية ويعلّمون أتباعهم الدين والفضيلة والقيم، فإذا هم يرتكبون جرائم في حق أطفال صغار داخل دورهم الكنسية أو في غرف “الاعتراف والتوبة” التي يخلو فيها القساوسة مع مرتكب الخطيئة رجلًا كان أو امرأة.

ولقد جاء اعتراف البابا بعد أيام قليلة من الرسالة التي كتبتها إليه 26 امرأة تربطهن علاقة حب مع قساوسة تابعين للكنيسة الكاثوليكية يطلبن فيها جعل التبتل اختياريًّا، وحقهن في استمرار هذه العلاقة العاطفية مع القساوسة.

14