لغــز المصالحة مع الإخوان

الثلاثاء 2013/08/13

جميع من له اهتمام بالسياسة في مصر مشغول بالبحث عن إجابة لسؤال؛ هل تتم مصالحة بين السلطات الرسمية وجماعة الإخوان؟

يحاصرني هذا السؤال، وفي كل مرة أجتهد في البحث عن إجابة مقنعة، معظمها يدور على طريقة نعم ولكن، لأن هناك مجموعة من القضايا يجب حسمها حتى تكون النتيجة شافية، وقد أدى هذا الحديث إلى انقسام في المجتمع المصري، ينذر بأن يفضي إلى مزيد من الاستقطاب، فهناك فريق يرفض المصالحة تماما مع الإخوان، وآخر يراها ضرورة لتجاوز العقبات المتراكمة، وثالث يقف في منطقة وسطى بين الفريقين، ويؤمن بحساب كل من ارتكب جريمة يعاقب عليها القانون.

إذا كان حال المصريين يتسم بالمراوحة، فإن كل الوسطاء الأوروبيين والأميركيين وفرق الاستكشاف التابعة لهم، الذين وطأت أقدامهم أرض المحروسة خلال الفترة الماضية، يبدو مختلفا، حيث تكاتفوا حول موقف واحد تقريبا، والتفوا حول طلب واحد أيضا، وهو العفو عن محمد مرسي وجميع قيادات الإخوان، بل وحضّ السلطات على إجراء مصالحة مع أعضاء الجماعة والمنتسبين للتيار الإسلامي برمته، الأمر الذي أثار تساؤلات وتخمينات متعددة، بشأن لغز الإصرار، الذي يتنافى مع ما ظهر في غالبية المواقف الغربية، ويشي بأن ما جرى في الثلاثين من يونيو الماضي يدخل في باب الثورة الشعبية، وليس انقلابا عسكريا، وينطوي على رغبة في تنفيذ إرادة الأغلبية ضد حكم الأقلية، وأن تدخل الجيش في بعض التقديرات جاء لتصحيح مسار الديمقراطية المغدورة في مصر، وقد بدت المعاني والعبارات السابقة متفاوتة في الخطاب الغربى، لكنها في النهاية منسجمة مع التقدير الفائت، وبقي سؤال لماذا الإصرار محيرا لكثير من المصريين؟

من يفهم حسابات الغرب والولايات المتحدة، سيضع يديه على إجابة تفك سر السؤال، الذي لازم زيارات جميع الوفود الذين قدموا للقاهرة والتقوا مسؤولين رسميين وغير رسميين، وقيادات إخوانية في السجن وخارجه، وهو ما بدا في تصريحاتهم أثناء وبعد انتهاء الزيارة، وهذه الإجابة تدور في فلك أربعة أهداف أساسية تعتقد الدوائر الغربية في تحقيقها، من خلال استيعاب الإخوان ضمن العملية السياسية الجارية، ربما تتقدم أو تتأخر في الترتيب، لكنها في المحصلة النهائية مهمة بالنسبة للغرب.

الأول، قطع الطريق على الفكرة التى يروج لها خبراء استراتيجيون، وتقوم على عدم استبعاد تحول عدد كبير من المحبطين، من الإخوان وحلفائهم في التيار الإسلامي، إلى مشروع انتحاري أو شهيد، كل حسب تعريفه، ويتم تطبيق فكرة one man army، وفي هذه الحالة لن تتأثر فقط الدولة المصرية ويتم إرهاقها واستنزاف مواردها في عمليات إرهابية متواصلة، بل ستكون المصالح الغربية (الأميركية) هدفا محوريا عند تطبيق هذه الفكرة، ومن المحتمل استثمار الوجود المكثف للجماعات الجهادية في سيناء لتهديد أمن اسرائيل، عبر عمليات تسلل من الحدود مع مصر، كما يمكن أن تكون السفن الأميركية العابرة لقناة السويس محل استهداف آخر من قبل هذه الجماعات، ومع كل الجهود التى تبذلها قوات الأمن المصرية (الجيش والشرطة) لتأمين الحدود وضمان العبور الآمن لممر القناة، إلا أن طول الحدود والممر واستعدادات المتشددين قد تؤدي إلى حدوث خسائر لا يستهان بها. وفي هذا السياق يمثل عدم استبعاد الإخوان من العملية السياسية وسيلة لفرملة تطبيق هذا المسار، ولعل قول القيادي الإخواني محمد البلتاجي من على منصة رابعة العدوية «أعيدوا مرسي للحكم نوقف فورا العمليات في سيناء» يعزز هذا الاستنتاج، ويمنحه مصداقية عالية.

الثاني، الحفاظ على الوجه المعتدل للإخوان، ففي كثير من التقديرات الغربية، هناك اعتقاد سائد بأن أحد أسباب دعم الجماعة في مصر والمنطقة العربية يعود إلى قدرتها على استيعاب الحركات المتشددة، ووقف نمو ميولها نحو القيام بعمليات ضد المصالح الأميركية والغربية عموما، على غرار تنظيم القاعدة، لكن بعد اللطمة التى تلقاها الإخوان في مصر تعالى صوت الجناح المتطرف، وأصبح مهيأ لجر أعضاء الجماعة لأفكاره وليس العكس، هنا سوف يجد الغرب نفسه أمام مواجهة ممتدة، حيث سيتم تحميله جزءا من عملية سقوط الإخوان، وقد صب أيمن الظواهري مؤخرا غضبه على الغرب واتهمه بالازدواجية، وهو ما ساهم في إغلاق عدد من السفارات الأميركية في منطقة الشرق الأوسط، ومن المرجح أن يتحول الغضب اللفظي إلى غضب عملي، وحتى تخفف واشنطن، وأصدقاؤها الأوروبيين، من تصاعد هذا التيار تسعى لعدم سد المنافذ السياسية أمام الإخوان من خلال الضغط في ملف المصالحة ومقتضياته الغربية.

الثالث، إذا رفع الغرب غطاءه السياسي من رأس الإخوان الآن، سيبدو كمن يتخلى عن حلفائه بسهولة، وهي رسالة سوف تصل لجميع الأصدقاء من القيادات والأحزاب في مصر، كما أن ذلك سيؤدي أيضا إلى قلق أمثالهم في دول مثل تونس وليبيا واليمن، لدى الإسلاميون فيها فرصا سياسية جيدة للاستمرار وتوظيفهم حسب الرؤية الغربية الجديدة، ولأن عودة محمد مرسي تقف أمامها عقبات وعرة، فمن الضروري مساعدة أنصاره على أن يكونوا جزءا من العملية السياسية.

الرابع، كشفت الطريقة الحكيمة التى أدارت بها المؤسسة العسكرية الأزمة عن حنكة سياسية ورغبة في الاستقلال الوطني، وعدم رهن القرار المصري تحت رحمة أية قوة أميركية أو أوروبية، وربما يواجه الغرب مشكلات في المستقبل جراء تكريس هذه السياسة، وبما يعيد لأذهانهم طموحات جمال عبدالناصر وتقديره لمكانة مصر. وبالتالي يمثل الإصرار على وضع الإخوان ضمن القواعد الجديدة للعبة السياسية صمام أمان للغرب، فإذا فشل الإخوان في استرداد مقعد الرئيس في الانتخابات المقبلة، فقد تكون لديهم فرصة في الحصول على نسبة جيدة من مقاعد البرلمان، على الأقل تجعلهم في صفوف المعارضة الشرسة، الأمر الذي يجعل الدولة المصرية لا تستريح من همومها، ويضعها في حالة إنهاك دائمة تؤثر على استقلالية القرار الوطني.

9