لغو ترامب وبلاهة الأسد والتقية الروسية الإيرانية

الجمعة 2017/07/28

آخر ما يريده الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، هو محاسبة الأسد على جرائمه، حتى لو قال ذلك لغوا في المؤتمر الصحافي مع رئيس الوزراء اللبناني، سعد الحريري، وفي مناسبات أخرى. واللَّغوُ: ما لا يُعتدُّ به من كلام وغيره ولا يُحصَل منه على فائدة ولا نفع.

وسبب اللغو الأخير غالبا هو محاولة ترامب إرضاء ضيفه بما يحب أن يسمع، خاصة أن لدى الحريري قناعة لا تتزعزع بضلوع نظام بشار الأسد في اغتيال والده، رفيق الحريري، وإن كانت اليد المنفذة تنتمي لحزب الله.

في السياسة على الأرض السورية، وفي الحرب، لم تتكبد روسيا خسائر كبيرة بالمعنى الحقيقي للكلمة، مقارنة مع خسائر إيران وميليشياتها بالدم والمال الكثير، فضلا عن مغامرتها بما تبقى لها من سمعة في العالم العربي، مضافا إلى ذلك المزيد من استعداء أميركا التي لا تنقصها أسباب العداء لنظام ثورة الخميني.

وإذا كانت إيران الشيعية معروفة بمبدأ التقية الدينية، الذي لا مكان له في عالم اليوم، على اعتبار أن الشيعة غير مضطرين لإخفاء مذهبهم في عصرنا هذا، فإن إيران الدولة لا تمارس حتى التقية السياسية في سوريا، بعد أن قطعت مسافة طويلة في حرب هدفها اللانهاية، وربما أكثر من النظام الأسدي نفسه.

وعلى العكس من ذلك، تسير السياسة الروسية على مبدأ التقية السياسية، بالنظر إلى ما تملكه من قوة عسكرية وكيان معنوي موروث من أيام الحرب الباردة، حيث تقول لبشار الأسد شيئا، وتعلن للعالم أنها لا تتمسك ببشار الأسد، وأن هدفها الحفاظ على وحدة سوريا، من خلال محاربة الإرهاب في خندق متقدم يوفر عليها عناء محاربة الإرهاب على حدودها، أو في موسكو نفسها بعد عودة العناصر الشيشانية الممثلة بشكل لافت في تنظيمي داعش، وهيئة تحرير الشام (النصرة سابقا).

وفي عودة إلى سياسات سلف ترامب، باراك أوباما، سنجد أن السياسة الأميركية لم تتغير، وربما يكون لغو أوباما أكثر لزوجة، على الأقل لأنه عايش ست سنوات من عمر الثورة السورية، بينها خمس سنوات من الحرب، وحوالي سنة ونصف السنة من التدخل الروسي المباشر في سوريا.

بل إن أوباما ولغ في الإناء أكثر من مرة، كما فعل وزيرا خارجيته، هيلاري كلينتون وجون كيري، وبصقوا جميعا، وأكثر من مرة، في الصحن الذي أكلوا منه، دون أن يستطعموا. وأشهرها التصريحات النارية حول مجزرة الكيماوي في الغوطة الشرقية في 22 أغسطس 2013، التي انتهى مفعولها بعد أقل من أسبوعين بصفقة فازت فيها إسرائيل فقط، وحصل النظام الأسدي من خلالها على رخصة بقتل السوريين بالبراميل المتفجرة.

هذا اللغو تحدث عنه مرات السفير الأميركي، روبرت فورد، موضحا أنه حاول في كل مرة أن يمنع أوباما، ووزيري خارجيته، من توريط البيت الأبيض بوعود وكلمات قد يبني عليها مؤيدو الثورة من السوريين.

وبالفعل فسر الكثير من السوريين كلمات وإشارات على أن أميركا ستدكُّ قصر المهاجرين في فجر أحد أيام 2013، وما بعد، وصولا إلى عام 2017 في عهد ترامب بأسلوبه التويتري المثير، وإن كان في خطاباته ولقاءاته وإطلالاته التلفزيونية أكثر تحفظا، كون تويتر ليس إحدى أدوات الحكم في أميركا، أو في غيرها.

في الحي الشرق أوسطي، أتقنت إيران لعبة الإعلام، على الأقل خارج حدودها، واشترت المئات من الصحافيين، وافتتحت قنوات إعلامية تملك من المال ما يكفي للترويج لسياستها “الممانعة”، عابرة أرض العراقيين، في نية وصل جغرافيا الخليج العربي ببلاد الشام والشرق الأوسط كله.

في الحقيقة، هو ليس إتقانا أو نجاحا، إلا إذا نسبناه للفشل المزمن للسياسات العربية مجتمعة، ومنفردة، بما في ذلك السياسات الإعلامية التي لا يكاد يصل صداها إلى أبعد من حدود كل دولة تدعي أنها أمة، فيما لا تعادل قيمتها من حيث امتلاك أدوات الحكم العصرية نطاق العشيرة، وإن كان الدكتاتور يمتلك قوة السلاح ومكر المخابرات. إذا، فقد تجاوزت إيـران التقية الدينية، والتقية السياسية، معا، “مدعومة” بالمجتمع الدولي الـذي لا يزال يرى في بشار الأسد رئيسا شرعيا لسوريا، وبقناعتها أن وجودها في سوريا جاء بطلب من النظام الأسدي الشرعي. واستمر النظام الأسدي الذي لم تلطخ جرائمه “شرعيته” بما يكفي ليكون هدفا لعدالة القانون الدولي والإنساني في الحياة. هذا على الرغم من أحد تعابير أوباما، ومن ثم ترامب، بأن النظام “يرتكب الفظائع في حق شعبه”.

وربما كانت التقية الروسية تجاه أميركا تُستخدم في العلن فقط، فعلى طاولة المفاوضات نيابة عن بشار الأسد، تقدم روسيا للطرف الأميركي قائمة واضحة من المطالب، وتقدم التنازلات بالطبع. بينما تعلن في وسائل الإعلام أكاذيب يتناوب على بثها بوتين وموظفو خارجيته.

ومن جهتها، تبدو مطالب أميركا غير واضحة تحت العنوان الدائم: المصالح القومية الأميركية. فقبل أن يتكلم الأميركي بهذه اللهجة، سيسبقه الروسي بتقديم كل ما يلزم “الأمن القومي الإسرائيلي”، ولا تعود هنالك حاجة للمماحكة ولاستعراض العضلات، خاصة أن قصة النفط والغاز على الشاطئ السوري ليست حقيقة مؤكدة بعد، ما يعني أن لعاب أميركا مدخر للغو التصريحات في انتظار أن تظهر مصلحة قومية ما لأميركا في سوريا، إلى جانب حماية أمن إسرائيل، بنفط أو غاز أو دونهما.

القرائن الكثيرة على لغو أميركا لها مبرراتها، مثلما نجد أن لإيران مبررات حتى تتخلى عن تقيتها السياسية، وأهمها عدم اهتمام أميركا بالملف السوري، وتركها فراغا في مزرعة الأسد احتلته روسيا بسهولة، وبما قد يُفسَّر أن أميركا باركت هذه الخطوة، وأنها على علم مسبق بها.

راهنا، سياسة اللغو الأميركية في الملف السوري سياسة من يملك الخيارات، على النقيض من السياسة الإيرانية المضطرة للتخلي عن “التقية” في معركة وجود أو عدم في شرق المتوسط. وبين هذه وتلك، تأتي السياسة الروسية المضطرة أيضا إلى المقامرة، وإلى تجريب حظها في الفراغ الذي تركه تعدد الخيارات الأميركية.

وحدهم أكراد حزب الاتحاد الديمقراطي غير معنيين بالتقية، أو اللغو، وينتصرون في كل معاركهم ضد داعش، التي لا يقلل من قيمتها الغطاء الجوي لطيران التحالف، والأميركي منه خاصة. استفادوا من تناقضات السياسات الدولية على الأرض السورية، واستثمروا عشرات السنوات من خبرة النشاط الدعائي لقضيتهم في أوروبا، وقدموا الصورة الإعلامية التي يحبها الغرب نقيضا لصورة المرأة النمطية التي يعرفها الغرب عن المنطقة العربية عموما، من خلال المقاتلات في “وحدات حماية المرأة”. حتى نفي قيادة “قسد” لصحة تشكيل كتيبة لـ“المثليين” في الرقة تقاتل فاشية داعش يصب في هذا الاتجاه، وإن كانت التفاصيل عن هذه الكتيبة لا تعني أنها مستقلة. والأحرى أن يكون أفراد مثليون، إن صح ذلك، مندمجين في “ديمقراطية” هذه القوات، وإلا كان استقلال أفرادها نوعا من التمييز والعزل العنصري.

الأمر الذي لا يحتاج إلى إشارة هنا هو الخيار السوري المعدوم: النظام بلا خيارات، والمؤيدون لا يملكون سوى محاولة النجاة برؤوسهم كون الاصطفاف مع المعارضات على الأرض خيارا خاسرا؛ كذلك الأمر بالنسبة إلى المستويات السياسية للمعارضات التي تنتظر انتهاء تصفيات الدوري بين القوى الكبرى وإيران كي تجد، أو لا تجد، مكانا في المباراة النهائية.

ووحدهم، الذين آمنوا بالثورة، وقدموا التضحيات أو تكبدوا الخسائر، خسروا ما خسروا على أمل أن تحيا سوريا.

كاتب وصحافي سوري

8