"لـوبـي" إنهاك الدولة المصرية

الاثنين 2013/12/02

الطريقة التي تخلصت بها مصر من حكم جماعة الإخوان المسلمين كانت مبهرة لقطاعات كثيرة، حتى لو أغضبت قطاعات أخرى، المهم أنها أوحت أن البلاد ستعيد ترتيب أمورها، بما يجعلها تتحاشى أخطاء المرحلة السابقة، وتتمكن من استرداد عافيتها، محليا وإقليميا، خاصة أن لدى قيادتها السياسية والعسكرية رؤية ومفهوما واضحين لمعنى الاستقلال الوطني. وهو ما أقلق دوائر عدة، في الداخل والخارج، وجعلها لا ترضى على التوجهات الجديدة، لأنها تتعارض مع مصالحها. لذلك بدأت أدوات تعطيل المسيرة تتوالى، وتظهر معالمها في المطبات التي تتنامى على جانبي الطريق.

مع أنني لست من هواة نظرية المؤامرة، لكن ما يحدث في مصر الآن لا يجد تفسيرا في نظري إلا من خلالها، وكأن هناك «لوبيّا» في الداخل فضلا عن الخارج، له هدف محدد، هو ممارسة المزيد من الضغوط حتى لا تقوم لهذه الدولة قائمة. «لوبيٌّ» سياساته وبصماته المتفرقة واضحة، لكن ليس بالضرورة أن تكون متعاونة أو بينها تناسق وتناغم، فكل طرف يعبث بطريقته، ولكل فريق أدواته، ولكل جماعة مراميها الخفية والمعلنة، والجميع يسعى لأن تبدو السلطات الرسمية متخبطة ومرتبكة، بل وعاجزة عن التصرف، سياسيا وأمنيا واقتصاديا، وبعيدة عن أية إنجازات.

رغم النجاحات النسبية التي تحققت في المجالات الثلاث والتي كانت نتائجها حاضرة في التغير الملموس في عدد من قسماتها ومعالمها، غير أن النتيجة الجماهيرية فقيرة وغير محسوسة. فهناك عدم رضىً يتصاعد حول أداء حكومة الدكتور حازم الببلاوي. وهناك شعور بدأ يتسرب بشأن عدم قدرتها على القيام بمهامها على أكمل وجه. وهناك محاولات لتعميم إنكار أي إنجاز يمكن أن يحسب لها. كل ذلك يأتي وسط سيمفونية تقودها بعض وسائل الإعلام ضد الرجل وحكومته. تتصيد الأخطاء وتبحث عن الثغرات في ثنايا الكلمات. المهم أن تكون الحكومة متقاعسة وصورتها مشوهة. ويتحمل الدكتور الببلاوي كل المشكلات والأزمات و»البلاوي». وتتعطل الوتيرة التي تسير بها خريطة الطريق، فتتوقف المحاولات الجادة للإصلاح، وتتعطل عملية إشعار الناس أن عهدا جديدا بدأ فعلا.

شعور التآمر تولد عندي منذ بضعة أشهر، ووجدت مفردات كثيرة تدعمه، وحاولت تجاهله حتى لا أصبح أثيرا لنظرية يرتاح لها كل من يبحث عن فك أحد الألغاز السياسية. وعندما صدر قانون التظاهر الجديد، لم أستطع إخفاء شعوري بوجود أيادي تعبث عن قصد أو بدونه. فالقانون جيد من حيث المضمون، إلا أن توقيت إصداره وتطبيقه، مرشح لأن يفتح أبوابا لمشكلات الدولة في غنى عنها. وهو ما حدث خلال الأيام الماضية. فالأجهزة التي بذلت جهودا مضنية لضبط الأمن في أماكن مختلفة، مطلوب أن تنجح في تنفيذ القانون لتحافظ على هيبتها، وتتعامل برفق حتى لا تصطدم بالمتظاهرين، ويتم تشويه صورتها بعد أن تحسنت نسبيا. وهي الدوامة التي غابت عند إصدار القانون في هذا التوقيت، بما جعلني وآخرين نشعر أن هناك رغبة لتوريط الأمن والحكومة والنظام في مواجهات لا لزوم لها في الوقت الراهن. مواجهات مع حركات شبابية وإخوانية، فتعيد للأذهان مشاهد سابقة من الاشتباكات المتكررة.

الطامة الثانية، جاءت عقب الحكم على 14 من الفتيات تنتمين إلى جماعة الإخوان بالسجن لمدة 11 عاما مجتمعين، وجرى التعامل مع الحكم على أن كل فتاة بمفردها حكم عليها بهذه المدة، جراء التظاهر وتعطيل الطريق وما إلى ذلك من التصرفات التي تحدث يوميا في المظاهرات. ما أقصده أن الآلة الإعلامية اصطنعت خدعة ولم تحاول تقديم الموقف على صورته الصحيحة. وهنا لا أتحدث عن احترام أحكام القضاء ووجود درجات أخرى للتقاضي تسمح بالحصول على البراءة، لكن أتحدث عن محاولات تلفيق لم تفرق بين إخوان وغيرهم من القوى السياسية. فقد كان الهدف الضمني وضع المزيد من العقبات أمام النظام الحاكم. وأضيف إلى ذلك تسريب معلومات تتحدث عن خلافات ضخمة في لجنة الخمسين المنوط بها إدخال تعديلات على الدستور، بما أوحى أن الارتباك عم مناحي الحياة، ولم يترك شيئا. حكومة تصدر قرارات عشوائية لا تستطيع تطبيقها، وقضاء يتشدد في أحكامه، ودستور يتعثر ومدة إعداده جاوزت على الانتهاء.

التقدير عندي، أن هناك دوائر متشابكة لم تعد قاصرة على الإخوان، لكنها امتدت إلى جماعات مصالح في الداخل، وجهات في الخارج، تخشى أن تنتهي المرحلة الانتقالية بسلاسة، وتملك مصر زمام أمورها وتنتخب رئيسا قويا، خاصة لو كان الفريق أول عبد الفتاح السيسي، فيصاب هؤلاء جميعا بأضرار فادحة. فالإخوان خسائرهم معروفة وسوف تزداد ضخامة، لأن فرص الشماتة والعودة إلى الساحة السياسية بقوة ستصاب بالسكتة الدماغية. والقوى الخارجية المتربصة بالبلد ستفقد أملها في تعطيل المسيرة. أما الجزء النافذ والغاطس بين هؤلاء وهؤلاء يتعلق بطبقة من السياسيين والاقتصاديين، المدعومين بفئة من الإعلاميين وبعض الجنرالات، يحاولون وضع العراقيل، خوفا من الاستدارة إليهم وتصفية الحسابات معهم على ما ارتكبوه من تجاوزات أو ما قاموا به من تصرفات سلبية خلال فترات سابقة. وهذا الفريق لا يزال «يعشش» في بعض الأجهزة البيروقراطية للدولة، ويلعب دورا فعالا في ما نراه من تخبط وإرباك.

إذا لم يتم الالتفات لهذا «اللوبي» سوف يعاني النظام من مشكلات متصاعدة، لن تفلح معها لا إقالة حكومة ولا تعديل قوانين. كما أن الاستجابة لمطالبه لن تكون وسيلة ناجحة لإنهاء المشكلة. فالطموحات والأهواء لن تتوقف، لأن الإرباك تحول إلى غاية عند كل أصحاب الأجندات غير الوطنية. بالتالي سيكون التخلص من عناصره التي توغلت في كثير من الأجهزة أولى المهام، حتى تصل خريطة الطريق إلى بر الأمان.


كاتب مصري

9