لـو كنتُ الرئيس الجديد لمصر

الخميس 2014/06/12

وصفني المقرّبون، ونعتني الأقلّ قرابة بأنّي حالم محلّق دوما في عالم الخيال. لا اعتراض لي على هذا الحكم، لكن من حقّي لفت النظر والانتباه إلى أنّ هذا النّعت، أو هي تهمة، لا تأتي إلاّ عندما أبدي رأيي وأقدّم حلولا أراها مناسبة أو ضروريّة لهذا المشكل أو ذاك، من كثير مشاكل أقطارنا العربيّة. قد يكون النّاعتون محقّين وهم في حكمهم على صواب، لكن أليس من حقّي التساؤل، بل التذكير، بأنّ معظم الاكتشافات والاختراعات العظيمة بدأت أحلاما ضحك منها الكثيرون، ثمّ تحققت فأتت بنفع عظيم.

غير أنّ أحلامي، مع الأسف لا اكتشافات ولا اختراعات وراءها، إذ هي من تلك التي تملأ وتغزو العقل والقلب، ثمّ سريعا ما تحملها الرّياح لتترك فراغا تحتلّه أحلام أخرى تتلوها. لهذا أحلامي أشبه شيء بأسطورة، أو خرافة يعذب سردها وسماعها، فتسلّي هذا، وتضحك ذاك، دون أن تضرّ أحدا أو تؤذيه. لعلّ هذا ما يدفعني إلى سرد حلميَ الأخير، حلم أُلخصه في حرف امتناع، كما يسميه النحويون، وهو «لو».

إنّ لو هذه لا تثري العقل ولا الجيب، فتبقى وما تأتي به محشورين ضمن الأماني والاحتمالات.

خطر ببالي حرف الامتناع هذا أخيرا، وأنا أتابع ما يجري على أرض الكنانة، مصر الأبية، فقلت: لو كنت مكان رئيس مصر الجديد! لو جلست مكانه وتحمّلت وواجهت ما سيواجهه من مشاكل وعقبات لخرجت، قبل أيّ عمل آخر، فجابهت الشعب المصريّ الأبي، وخاطبته بكامل الصّراحة والوضوح والحقيقة وقلت له: يا شعب مصر العريقة العظيمة، إن المرحلة التي تمرّ ببلادنا هي أصعب مرحلة في تاريخها الطويل المجيد، هي انتقال من عهود الظلام والظلم إلى عهد النّور والحريّة. وهذا الانتقال، هو واجب ومهمة كلّ فرد منّا وفرض عليه.

إن رأيتموني في المقدّمة، فهذا لا يعني أنّي أقدر أو أفضل من أيّ مواطن، بل هي الأمور التي تفرض على كلّ عمل جماعي قيادة وريادة. ريادة سأبقى فيها ما دمت متمتّعا بثقة أغلبية مواطنيّ الكـرام، وأتركها لغيري إذا أراد الشعب ذلك. لكن، رغم مكانـي، فمـا أنـا إلا بشـر محـدود المقـدرة والإمكانـات، ومهمـة الخروج مما كنّا فيـه، تقع علـى كاهل كلّ فرد منّا بنفس الحجم والضّرورة والجدّيّة والإخلاص والسّرعة.

إنّ النهوض ببلادنا مسؤولية الجميع، عمل جماعي لا فضل فيه لأحد على آخر، واجب وطنيّ تتساوى فيه المسؤوليات والأدوار والتضحيات، لأنّ الوطن للجميع، مصر لكلّ أبنائها، يحبّونها جميعا بنفس الإخلاص، مستعدّون جميعا، وأنا في المقدّمة، لكلّ تضحية تستوجبها الظروف.

كلّ فرد منّا له دور يقوم به داخل اختصاصه، وداخل الإطار الذي يحويه: الأبوان في البيت والأسرة، المعلّم في المدرسة، التاجر في متجره، المزارع في حقله، الفنّان فوق مسرحه أو داخل ورشته، الوزير في مكتبه، والنائب تحت قبّة البرلمان، يراقب الحكومة ويحاسبها حسب النتائج والإنجازات. لا فضل لأحد على أحد إلاّ بالعمل والإنجاز. لا فرق بين ذكر وأنثى، بين صغير وكبير، بين مثقف وقليل ثقافة، بين حضريّ وريفي، إلاّ بقدر ما يقدّمه للوطن والمجتمع.

يجب علينا، فردا فردا، تغيير عقليتنا وثقافتنا القديمة المبنية على تأليه المسؤول وتنزيهه، عقليّة مقامة على التّواكل والتوسّط والرشوة والتمييز، فتلك ثقافة زال عهدها وانقضت. لكن لا نأمن أخطارها إلا باتباع ثقافة جديدة، مقامة على أسس متينة هي: أن لا سيادة إلا سيادة الشعب، ولا سلطة إلا سلطة القانون، ولا رأي إلا ما أجمعت عليه الأمة، وأن لا استقرار إلا بالتعايش، ولا عدل إلا بالإصداع بالحق، ولا أمان إلا باحترام الجميع لحقوق الجميع. ثقافة العمل للجميع، فيها كلّ مواطن عليه واجبات وله حقوق، ولا حقوق دون واجبات.

فليؤد كلٌّ منّا واجباته، لينال حقوقه، واجبات بالبيت وبين أفراد الأسرة، بالمدرسة والمعهد والجامعة، بالنّادي والرّابطة والجمعيّة، بالمزرعة والضيعة والقرية، بالطّريق والحافلة والقطار.

لنا واجبات في كلّ مكان، صغيرة وكبيرة، نؤدّيها فعلا، أو نقولها لسانا، نؤدّيها باللّين والطّيبة والكلمة الحسنة. إذا اختلفنا ليكن جدالنا بالحوار المتعقّل الرّصين، وبالتي هي أحسن، لأنّ غايتنا جميعا من الجدال والحوار مصلحة الوطن ولا غيره. فلنكن عباد الله إخوانا، وليحاسب كلّ منّا نفسه قبل أن يحاسب غيره. إنّنا نريد الحرّية، فلنكن جديرين بها عقلا، وتدبيرا وتآزرا وتعاونا وإخلاصا ومعاملة ونظافة في المأكل والملبس والبيت والشّارع، وقبل هذا وبعده، نظافة القلب واليد واللّسان.

أمّا أنا، كمواطن مثل غيري، فيشهد الله أنّي سأحاول بعونه وتأييده، أن أكون بكلّ ما أوصيت به الآن ونصحت، المثل المُقتدَى به، وإن لم يوفقني الله أن أكون كذلك فهذا يعني أنّي غير جدير بالقيادة، فما عليّ إلاّ تركها وإخلاء المكان لغيري. وكلّ ما أطلبه من مواطنيّ الكرام، هو أن يعملوا معي بتفان وإخلاص، حسب ما تقدّم من حسن سلوك. ختاما أقول لكم ما قاله الخليفة أبو بكر رضي الله عنه: “فإن أحسنت فأعينوني وإن أسأت فقوّموني، أطيعوني ما أطعت الله ورسوله فيكم”. وأثنّي بما قاله عمر الخطاب رضي الله عنه: “لا خير فيكم إن لم تقولوها ولا خير فينا إن لم نسمعها، ومن رأى منكم فيّ اعوجاجا فليقوّمه”. دقّ المنبّه فصحوت من حلمي.


كاتب تونسي ودبلوماسي سابق

9