لفاف البياتي

السبت 2013/12/28

أمّا اللفّاف الذي صنع نصفَ عنوان هذا المكتوب، فهو الشال أواللفحة، وأزيد الظنّ هو أنَّ سكَنة بلاد ما بين القهرين قد سمّتهُ لفّافاً، بسببٍ من التفافهِ حول رقبة الأوادم، ابتغاء بعض دفءٍ أو زينةٍ إذا ما تم تشكيلهُ مثل ربطة عنق. وأمّا ثاني مفردةٍ شاخصةٍ فوق عرش المقال، فهي البيّاتي، ومقصدنا منها هو عبدالوهاب البياتي، وهو شاعر مشهور من أهل العراق، له فضلٌ وسبقٌ ولمعات وفتوحات بباب قصيدة التفعيلة السيّابية الحديثة المقامِرة أيّامها، وقد دعبَلتْنا سنوات الهجيج السود من البلاد، فانزرعنا على سور مائدته الشاعرة، ونحن مازلنا أغضاضَ قصةٍ وقصة، وحيث تدور الكأس وتسري وتدبُّ، حتى يقع الترامي والتنابز بما تيسّر من بديع الشعر، وقفشات الأدب وأخبار الكائنات الهلامية التي يتّبعها الغاوون، فتسكرُ القومُ وتتمايل المائدة، وتتناطح الفِكَرُ، والبياتي قائمٌ عليها، مشعٌّ منيرٌ مثل قمرٍ في تمامهِ، منهُ الشعرُ والخمرة الطيبة وساخن الطعام، ومن المريدين القاعدين الصعاليك الدراويش، الصادقين والكذوبين، الإنصات الذاهب حدّ الخشوع.

على أوشال ليلة منعشة من ليالي أبي عليّ، قدّر الربُّ الجميل، أن أكون جليسهُ الوحيد. كنا ببطن حانة الياسمين، من أعمال ربة عمّون، وكانت الدنيا ثلجا مائعا، وبردا ينام في العظام، وكنت على بعض من رثِّ اللباس وخفيفهِ، حتى قام عبدالوهاب الرحيم الحنون على حيلهِ، ونزع عن رقبته شالا اخضرَ طويلا، مثل ذاك النازل من عنق عمدة فرعونيٍّ ضخم، وناوشني إيّاه بيمينٍ وشمالٍ حانيتين، فقمتُ من قعدتي الثقيلة، ولففتهُ حتى نزلَ عليَّ دفءٌ عظيمٌ وخدرٌ لذيذٌ، وصرتُ لا أكلّمَ البياتيّ ليلتها إلّا رمزا.

في عصرية اليوم الذي تلا الواقعة المبروكة، هبطتُ مختالا مرحا مطوّقا بشال أخضر مَهيب صوب ماعون المدينة، فقصصتُ على الصحب والصويحبات القصة، وزدتُ عليهم أنني سأظلُّ مسجلا في دفتر كائنات الله على أرضه، وبعد خمسين بائدات، سيكون سعر هذا اللفّاف ذهبا بقَدَر عيشة عشيرة من ألف تنبلٍ وتنبلة.

على رنّة كنائس هذا المساء البارد، أجدني أستعيد منتشياً، تلك الليلة البعيدة، مع كبير تضعضعٍ وتآكلٍ في جسم ذلك الحلم النبيل، حيث خراج دكة مزاد حمّالة أثداء مارلين مونرو المذهلة، سيكون أعظم بكثير من دراهم شال عبدالوهاب البياتي.

الرحمة والراحة لك أبا عليّ العظيم، وأنت في مدفنك الشاميّ الغريب ، تنصتُ متوجّعا، إلى طقطقة عظام دمشق الحبيبة وهي تتكسّر.

24