لفهم الحالة الجزائرية

الأربعاء 2014/04/23

فُوّتت على الجزائر مرة أخرى فرصة للتغيير السلمي والتحول الهادئ، ذلك أننا كنا نعتقد بأن الانتخابات هذه المرة ستكون نزيهة وشفافة، تكون الكلمة الأولى والأخيرة للشعب، وذلك بالنظر إلى عديد المعطيات، لعل أبرزها الوضع الإقليمي الذي تعيشه بعض الدول العربية فيما يسمى بالربيع العربي، هذا الوضع الذي أنهى الرئاسة مدى الحياة في مصر وتونس واليمن وليبيا، وللمفارقة نقول بأن الجزائر كانت تفتخر بوجـود دستور يحدد العهدات الرئاسيـة بعهدتين اثنتين (دستور 1996) ويكرّس التداول علـى السلطة، حيث جعل الجزائر متقدمة على الكثير من البلدان العربيـة التي لا تعـرف شعوبها إلا رئيساً واحـداً، وذلك من القصر إلى القبر كما يقال، جـاء النكـوص على هذا المبدأ، وعلى يد رئيس مدني- للأسف- بفتح العهدات بعد تعديلات دستورية في (2008)، فأصبحت الجزائر اليوم الاستثناء والدولة الوحيدة في العالم العربي التي يوجد في دستورها الرئاسة مدى الحياة.

كما أن التطورات الداخلية من مرض الرئيس عبد العزيز بوتفليقة، وخطابه في مايو 2012 قبيل الانتخابات التشريعية الذي أوحى فيه إلى مستمعيه بأنـه سيسلم المشعـل للجيل الجديد مـن الشبـاب، وأن جيله أدى مـا عليه، ولـم يعـد بمقـدوره أن يقـدم شيئاً، بالإضافة إلى الصراع الذي طفا على السطح بين جناح الرئاسة وجناح المخابرات، هذا الأخير الرافض للعهدة الرابعة كما قيل آنذاك. كل هذا قوّى الاعتقاد بأنها فرصة لهذا النظام حتى يفوّت على البلاد والعباد السيناريو الأعنف للتغيير الذي تستغله خفافيش الظلام في الداخل والخارج لتوظفه لصالحها، وتحرفه عن الهدف الأسمى، وهو التأسيس لجمهورية جديدة قائمة على الحرية والعدل واحترام حقوق الإنسان عن طريق مرحلة انتقالية يقودها النظام نفسه، ولكن بشرط أن تَخلُص النوايا، وتتوافر الإرادة الحقيقية.

السؤال الذي يطرح في هذا الشأن، لماذا يستمر النظام الجزائري في العبث بإرادة الشعب وخياراته، ولا يعتبر بما يحدث في دول الجوار؟

قبل الإجابة عن هذا السؤال لا بد من التذكير بأن الحاكم الفعلي والقوي الآن في الجزائر هو المال، ونوع المال هنا هو المال الفاسد والوسخ، وكما هو معروف أن سيطـرة أصحاب المال على السلطة أدى إلى إضعاف السلطة الموازية الأخرى- وهي سلطة المؤسسة الأمنية صاحبة الحق في اختيار الرؤساء- ومن خلال تصريحات الأمين العام لحزب جبهة التحرير الوطني عمار سعداني لموقع “كل شيء عن الجزائر” قبيل فتح باب الترشحات للانتخابات الرئاسية، في هذه التصريحات هاجم مؤسسة المخابـرات وقائـدها، واتهمـه مبـاشرة بأنه المسؤول عن الاغتيالات السياسيـة التي حدثت في الجزائر، وحمّلـه المسؤوليـة عن أي خطر قد يصيبه في المستقبـل، من خلال هذا الكلام يتبين مدى ضعـف جنـاح المؤسسـة الأمنية، وانتقال القـوّة مـن هذا الجناح إلى الجناح المسيطر على المال الفاسد كما علق العديد من المحللين الجزائريين.

يقوّي هذا الاعتقاد أيضا توظيف الإعلام (قنوات فضائية جديدة) في هذه الانتخابات بطريقة مبتذلة وغير لائقة، حيث تركت هذه القنوات رسالتها النبيلة ودورها الحقيقي، في البحث عن الخبر وإيصاله للمشاهد بموضوعية وحياد، وراحت تشوه فلاناً أو فلتاناً، بالبحث عن عثراته وسقطاته، بل وتتهم الآخرين المخالفين دون حجة أو دليل، وتقول عنهم بأنهم ينسجون السيناريوهات والخطط من أجل زرع الفتنة والفوضى في الجزائر، وما الأزمة في “غرداية” إلا مقدمة والآتي أعنف، لمَ كل هذا؟ لأن هذا الإعلام يديره أصحاب المال الفاسد الذين يريدون بقاء الوضع على ما هو عليه، والكلام هنا عن القنوات الفضائية ليس بإطلاق فهناك استثناءات قليلة.

إن أصحاب المصالح الذين حققوا امتيازات خاصة في عهد الرئيـس عبـدالعزيـز بوتفليقة (15 سنة) لن يتركوها بسهولة، وسيعملون المستحيل من أجل المحافظة على مصالحهم، وهذا يتطلب بقاءهم في الحكم مدة أطول، وإلا كيف يُفسر تقديم رجل مريـض لا يستطيع الكلام إلا بصوت خافت، ولا يقوى على المشي على رجليه لقيادة البلاد من جديد، والكل شاهد شاشات التلفزيون بأن الرئيس المترشح (شفاه الله) لم يستطع أن يؤدي حتى حقه الانتخابي بنفسه، واستعان بمن يساعده على ذلك، والسؤال الذي يطرح هنا كيف يستطيع من هو عاجز عن التكفل بنفسه، أن يقوم بواجباته تجاه دولة بحجم الجزائر؟

لذلك كله، فالخاسر الوحيد في هذه الانتخابات هو الجزائر وشعبها، بتعميق الأزمة أكثر وتأجيل حلها خمس سنوات أخرى، أما الرابح فهو الثالوث المعروف الذي تمكّن في السنوات الأخيرة بطريقة رهيبة من رداءة إعلامية ومال فاسد وتزوير مفضوح.

في الأخير ننتقل إلى الإجابة عن السؤال السابق الذكر، ونقول بأن الديكتاتوريات تتشابه ولا تختلف بعضها عن البعض، لأنها ببساطة لا تقرأ التاريخ، ولا تعتبر من دروسه البعيدة وحوادثه القريبة التي تحدث هنا أو هناك، وترى نفسها بأنها في معزل مما يجري الآن من عواصف حاملة لبذور التغيير في المنطقة العربية بأكملها، والنظام الجزائري، كغيره من الأنظمة العربية التي سقطت والتي تنتظر دوروهـا في السقوط، يقاوم التغيير بكل السبل والـوسائل، ويقول مسؤولوه بأن الجزائر ليســت مصـر أو تونس أو ليبيـا أو غيرهـا، كما قال من قبل مبارك والقذافي والأسد، ولكن هيهات أن يستمر الوضـع على مـا هـو عليـه، أي استمـرار مسلسل العبث بخيارات الشعب الجزائري وهـدر ثرواتـه بهـذه الطريقـة الفجة والمخزية، ومحاولـة إظهـاره في كـل مـرة كسفيـه راض عن الوضـع القائم، وقابل لحكم الأقلية هو نوع من الاحتقـار واللامبـالاة بمشاعـره، وانظروا كيـف أصبحت الجـزائر وشعبها وحكومتها بعد السابع عشر من أبريل محط سخرية واستهزاء في الإعلام العالمي.

إن المشكلة اليوم في الجزائر هي في السياسة التي أصبحت مرادفة للوساخة خاصة في السنوات الأخيرة، فانقلبت القيم، وصار كل شيء خاضعاً للبيع والشراء، وللأمانة هذا المنطـق ليـس حكـراً على السلطـة فقط، بل هو ممتدُّ إلى الأحزاب السياسية التي تدعـي المعارضـة، فهي تستعين بالمال الـوسـخ مـن أجـل كسب ود المواطن في الكثير من المناسبات الانتخابية، هذه الوساخة هي التي تقودنا اليوم بخطوات حثيثة إلى الحكم الفردي المطلق الذي لا يعترف بوجود شعب أو دستور أو قوانين، ويقدم الثقة والولاء على الكفاءة، ويكرّس حكم الأقلية المسيطـرة علـى المـال. آخـر كـلام: إن السلطـة المطلقـة مفسـدة مطلقة.


كاتب جزائري

8