"لف ودوران" فيلم اجتماعي مصري أربكه التناول الكوميدي

البحث عن الأمان، هدف يظل يطارد عقل المرأة، ويشغله كلما تقدم بها العمر، ويبقى الرجل هو الداعم الأكبر لها من وجهة نظرها، فكرة جيدة استعانت بها كاتبة السيناريو منة فوزي، مؤلفة الفيلم المصري “لف ودوران”، الذي عاد به الممثل أحمد حلمي إلى السينما، بعد عامين كاملين من الانقطاع، منذ تقديم فيلمه “صُنِع في مصر”، والذي لم يحالفه التوفيق لدى الجمهور.
الثلاثاء 2016/10/18
كوميديا في غير محلها

الفكرة التي اختارتها مؤلفة فيلم “لف ودوران” منة فوزي تحمل الكثير من النضج والحيوية، اللذين لم تطرقهما الدراما كثيرا من قبل، ولا ترتبط باتجاه أو “موضة” بعينها، كما هو السائد في أعمال الكثير من كتاب السينما في الفترة الأخيرة، لكن يبقى أن توظيف الفكرة لوضعها في قالب كوميدي، مثل أزمة كبيرة، أفسدت الكثير من التفاصيل والأحداث في الفيلم.

هاني وأماني، شاب وفتاة، قادتهما الظروف إلى الاعتراف بالزواج أمام إدارة القرية السياحية التي يقطنان بها، حفاظا على مركزيهما بالوظيفة التي يشغلانها، ثم تكمن المفارقة في ذهاب عائلة هاني أو “أوبا” كما كان لقب حلمي في الفيلم، معه إلى رحلة شرم الشيخ، تلك العائلة التي تتكون من أربع سيدات، “الأم، والخالة، والجدة، والشقيقة”، ويكتمل التجمع النسائي بانضمام أماني التي جسّدت دورها النجمة دنيا سمير غانم، إلى مؤامرات العائلة على الابن، لضمان استمرارية وجوده معها.

موضوع طريف

شخصية أوبا في الفيلم لم تضف إلى رصيد صاحبها أحمد حلمي الكثير، ولم تحمل بصمة أو هوية محددة

“التركيبة” التي اختارتها الكاتبة، وصاغت عليها الأحداث، ثرية جدا للاستطراد في الجانب الكوميدي، من حيث وجود رجل وسط العديد من النماذج النسائية، وجميعهن يبحثن عن “الأمان” في هذا الرجل، فالأم تشعر باحتياجها لرجل بعد سفر الزوج إلى الخارج وزواجه من أخرى، وتخشى أن يقرر الابن ما فعله الأب. أما الخالة فهي امرأة رافضة للزواج لعدم عثورها على الرجل المناسب، والجدة تجد في هذا الحفيد عِوضا عن الزوج (الجد) الذي رحل مؤخرا، وأخيرا شقيقة حلمي الصغيرة، التي حُرمت من الأب ولم تجد رجلا في حياتها سوى شقيقها. ثم يأتي التوظيف الآخر، الذي طرحته كاتبة العمل لتوضيح قضيتها، ممثلا في شخصية أماني، التي تتحالف مع عائلة “أوبا”، وهي أيضا تخلو حياتها من “الأمان”، إذ أنها تعيش بلا عائلة أو حبيب.

الأزمة الحقيقية في صناعة الفيلم، هي إدراجه تحت عنوان الدراما الكوميدية، فالفيلم اجتماعي من الدرجة الأولى، وحتى كوميديا الموقف قلما وجدناها في الأحداث. بطل الفيلم، أحمد حلمي، ظل حريصا دائما في أفلامه السابقة، على تقديم الموضوعات الاجتماعية، لكنها كانت تحمل الطابع الكوميدي بالأساس، وحتى أعماله التي أخذت الطابع الفلسفي، مثل فيلم “آسف على الإزعاج” كانت الكوميديا موجودة فيها، وهو ما جعل منه نجما له مكانة خاصة في قلوب الشباب الذين لمسهم بأفكاره.

البعض من نقاد السينما رأوا أن حلمي تراجع في فيلم “لف ودوران”، كما سبق وحدث معه في فيلميه السابقين، “على جثتي”، و”صنع في مصر”، واعتبر هؤلاء أن التراجع ربما كان سببه عدم وجود نصوص كوميدية جيدة في مصر كلها الآن، وهي الأزمة التي أطاحت بأغلب نجوم الكوميديا، الذين ذاع صيتهم مع مطلع الألفية الجديدة، أمثال محمد هنيدي، ومحمد سعد، وهاني رمزي، وآخرين. وفي فيلم “لفّ ودوران” لم يتضح المغزى الاجتماعي من الفكرة بصورة كاملة كما أرادت مؤلفته، أو بمعنى أدق لم تتم بلورة خيوط الشخصيات جميعها بشكل متقن، باستثناء شخصية الأم، في موقفها من الابن، وخوفها من سفره إلى الخارج وتكرار تجربة الأب.

أما الجدة والخالة، فتمسكهما بوجود أوبا لم يكن منطقيا إلى حد كبير، فالجدة تعلم أن الرحيل سنة الحياة، وبالتالي فإن وفاة الزوج أو الجد لا تمثل أزمة عظيمة. وكان موقف الخالة، من ابن شقيقتها غير واضح، خاصة أنها تظهر في الفيلم ولها عالمها الخاص طوال الوقت، بحكم وظيفتها في مجال التكنولوجيا والمعلومات، والأمر نفسه بالنسبة إلى شقيقة حلمي، حيث أن العلاقة بينهما لم تظهر إلاّ في مشهد واحد، عندما طلبت الأخت من أخيها التوسط لدى أمهما في شيء ثانوي لا علاقة له بفحوى الفيلم.

كاتبة الفيلملم تستغلالمواهب المتعددة لدنيا سمير غانم، حيث كانت من الممكن كتابة المزيد من المغامرات الكوميدية، خاصة في ما يتعلق بالمؤامرات العائلية تجاه أوبا

شخصيات باهتة

عندما نتطرق إلى شخصية هاني أو أوبا، فهي بالتأكيد لم تضف إلى رصيد صاحبها أحمد حلمي الكثير، ولم تحمل بصمة أو هوية محددة، على عكس ما حدث من قبل في “الشخصيات” التي قدمها، وقد تمت الإشارة إلى أن من شاهد العمل ربما كان سيرشح أسماء لفنانين آخرين لتقديم تلك الشخصية. الأمر ذاته بالنسبة إلى أماني، التي لعبت دورها الفنانة دنيا سمير غانم، فقد بدت شخصية باهتة، بل و”متصنّعة” في الأداء، بعكس الأدوار الكوميدية السابقة لها، والتي صنعت بصمة خاصة لموهبة الفنانة على مدار عامين متتالين، في الأعمال الرمضانية، كما في مسلسلي “لهفة”، و”نيللي وشريهان”.

كانت رغبة دنيا في التمثيل في تجربة ثانية مع حلمي، بعد فيلمهما “إكس لارج” الذي لاقى نجاحا كبيرا، الدافع الأساسي إلى وجودها بهذا الفيلم. ولم تستغل كاتبة الفيلم المواهب المتعددة لدنيا سمير غانم، حيث كانت من الممكن كتابة المزيد من المغامرات الكوميدية، خاصة في ما يتعلق بالمؤامرات العائلية تجاه أوبا، بل وحتى المغزى الإنساني، من فكرة تمسكها بوجودها مع هذه العائلة، لم يظهر بشكل يبرز مواهبها، خصوصا أن الفيلم لم يقل لنا أين اختفى أهلها، هل توفوا مثلا؟ أم أنهم قاطعوها؟ أم ماذا تحديدا؟

وعلى الرغم من تصوير العمل داخل منطقة سياحية، مثل شرم الشيخ، إلاّ أن التحرك في الأماكن الجميلة كان محدودا جدا، فلم نر أي ملامح جمالية كان يمكنها التعويض عن الضعف السينمائي بالفيلم. والأمر ذاته بالنسبة إلى الموسيقى التصويرية بالعمل، فهي لم تحقق أي انسجام مع الأحداث، وكان من الضروري أن يوجد في فيلم تكون “الطبيعة الجمالية” إحدى بطلاته. وبعيدا عن سقطات العمل، فإن عودة أحمد حلمي لجمهوره بعد غياب، ووجود دنيا سمير غانم، كفنانة حققت شهرة وجماهيرية واسعتين في أعمال كثيرة في الفترة الأخيرة، كانا من العوامل المهمة التي نجحت في اجتذاب الجمهور، ومن ثم حصد الملايين من الجنيهات، كعوائد لإيراداته، وهو ما جعله يأتي في الصدارة، مقارنة بالأفلام الأخرى.

16