لقاء الشاهد والقروي يهدد حكومة الجملي

الغنوشي يضغط للاستجابة لشروط حركة النهضة، فيما ينزلق مصير الحكومة الجديدة المُقترحة نحو صراع مكشوف بين مراكز النفوذ السياسية والحزبية.
الأربعاء 2020/01/08
الكرة في ملعب القروي

يعدّ لقاء رئيس حكومة تصريف الأعمال يوسف الشاهد ورئيس حزب قلب تونس غير المعلن، حاسما في ما يخص مصير حكومة الحبيب الجملي، ورجحت مصادر أن يكون اللقاء الذي كان بوساطة زعيم حركة النهضة راشد الغنوشي يطمح لهدفين: إما الضغط على الجملي للاستجابة لشروط النهضة في ما يخص فريقه المقترح، وإما الدفع بسيناريو حكومة الرئيس للتخلص من عبء حكومة هجينة، ولتحميل الرئيس التونسي قيس سعيّد مسؤولية الفراغ الحكومي.

تونس - أدخلت التطورات المُتسارعة على الساحة السياسية في تونس، وما رافقها من مواقف حزبية متناقضة، المزيد من الغموض الذي عمّق ضبابية المشهد في علاقة بتشكيلة الحكومة الجديدة التي اقترحها رئيس الحكومة المُكلّف الحبيب الجملي، والتي تنتظرها 72 ساعة حاسمة قبل عرضها الجمعة المُقبل على البرلمان لنيل الثقة.

وتتالت المستجدات المحيطة بهذا المسار، وسط تبدلات غريبة في خارطة التحالفات السياسية والحزبية، جعلت مصير الحكومة الجديدة المُقترحة ينزلق نحو صراع مكشوف بين مراكز النفوذ السياسية والحزبية، بدأ يتفاعل بوتيرة متسارعة في مسعى إلى فرض مقارباتها وسط أجواء مُلتبسة عكستها موازين القوى المُتقبلة.

وساهمت المناورات والمناورات المضادة للأحزاب الوازنة في البرلمان، وخاصة منها حركة النهضة الإسلامية برئاسة راشد الغنوشي، وحزب قلب تونس برئاسة نبيل القروي، في تزايد العراقيل أمام الحكومة المُقترحة التي اصطدمت برفض مُعلن لها، اتسعت رقعته باتساع مساحات التجاذبات الحزبية التي أملتها الحسابات المُتعددة والمُتنوعة.

وفي سياق هذه الحسابات غير المعزولة عن المصالح الشخصية والحزبية، أكدت مصادر مُقرّبة من قيادة حركة النهضة وحزب قلب تونس لـ”العرب”، أن “اجتماعا وُصف بالهام، جمع ليلة الاثنين-الثلاثاء بين نبيل القروي ورئيس حكومة تصريف الأعمال، يوسف الشاهد، الذي يرأس حزب تحيا تونس، تم بوساطة من رئيس حركة النهضة الإسلامية، راشد الغنوشي”.

الغنوشي يحاول التخلص من عبء الحكومة الجديدة، وإلقاءه إلى الرئيس قيس سعيّد، أي الذهاب إلى حكومة الرئيس

واعتبرت أن هذا الاجتماع الأول من نوعه منذ عدة شهور، يُعدّ تحوّلا سياسيا بارزا يأتي قبل 72 ساعة من عرض حكومة الحبيب الجملي على البرلمان لنيل الثقة، من شأنه تبديد الخلافات التي تراكمت بين القروي والشاهد منذ سجن القروي في سبتمبر الماضي، وتحولت إلى ما يُشبه العداء الذي ساهم في تشظي ما يُوصف في تونس بالعائلة الوسطية والحداثية.

وجاء هذا الاجتماع بعد اجتماع مُماثل بين رئيس الحكومة المُكلّف، الحبيب الجملي، ورئيس حزب قلب تونس، نبيل القروي، الذي اجتمع أيضا مع زهير المغزاوي، أمين عام حركة الشعب، الأمر الذي دفع ببوادر رسم خارطة تحالفات جديدة على قاعدة رفض حكومة الحبيب الجملي المُقترحة التي تواجه في نفس الوقت رفضا مُقنعا من حركة النهضة الإسلامية عبّرت عنه تصريحات العديد من مسؤوليها.

ومع ذلك، أثار توسّط راشد الغنوشي للجمع بين نبيل القروي ويوسف الشاهد، في هذا التوقيت بالذات، تساؤلات حول الأهداف التي يرنو الغنوشي إلى تحقيقها في هذه الفترة الزمنية الضيقة التي تسبق الجلسة البرلمانية العامة لبحث منح الثقة للحكومة المقترحة التي تبقى بحاجة إلى 109 أصوات من أصل 217 حتى تتسلم مهامها.

وفي هذا السياق، تباينت الآراء، حيث ذكرت مصادر الـ”العرب”، أن “الغنوشي يُريد من وراء ذلك، الضغط على الحبيب الجملي لدفعه إلى الاستجابة لبعض اشتراطاته، وخاصة منها تغيير بعض الأسماء المُرشحة لحقائب وزارية لصالح عدد من المُقربين منه، وهو ما يرفضه الجملي الذي يبدو أنه استقوى على الغنوشي بجناح الصقور الذي يُعرف في حركة النهضة باسم ‘التيار الإصلاحي'”.

وفيما أكدت أن العلاقة بين الغنوشي والجملي ساءت كثيرا حتى اقتربت إلى ما يُشبه القطيعة، قالت مصادر مُقربة من حزب قلب تونس، أن “الاجتماع المذكور تم بترتيب الوزير السابق، مبروك كورشيد، القيادي الحالي في حزب تحيا تونس، بمساعدة أمين عام تحيا تونس، سليم العزابي، وذلك بهدف قطع الطريق أمام مناورات راشد الغنوشي”.

ورأت أن راشد الغنوشي، وأمام فشله في فرض المقرّبين منه في الحكومة الجديدة، يسعى إلى تحقيق هدفين اثنين، أولهما توجيه رسالة إلى التيار الإصلاحي مفادها أنه مازال يمسك بكافة أوراق اللعبة السياسية في البلاد، وداخل حركته، بينما الثاني هو محاولة التخلّص من عبء الحكومة الجديدة، والإلقاء به إلى الرئيس قيس سعيّد، أي الذهاب إلى حكومة الرئيس، وبالتالي توريط الرئيس سعيّد، وتحميله مسؤولية استمرار الفراغ الحكومي، وأي تداعيات قد يتسبب فيها في لاحق الأيام.

إلى ماذا يرنو الغنوشي
إلى ماذا يرنو الغنوشي

ويترافق هذا الرأي، مع رأي آخر، يربط مناورة راشد الغنوشي، بتطورات الملف الليبي، وهو بذلك لا يريد أن يكون لتونس حكومة في هذه الفترة حتى يبقى الموقف الرسمي التونسي هشا ورخوا بما يُساعد الجانب التركي في الاستمرار في تدخله في ليبيا مدعوما من حركة النهضة.

ويجد هذا الرأي، ما يُبرره على أرض الواقع، بالنظر إلى المؤشرات الدالة على وجود خلافات بين الغنوشي والرئيس قيس سعيّد، لم يُبددها اللقاء الذي جمع بينهما، مساء الاثنين، أي قبل ساعات من الاجتماع بين يوسف الشاهد ونبيل القروي، حيث قال الغنوشي في أعقابه أن الرئيس قيس سعيّد “أكد على ضرورة استمرارية الدولة وعلى أهمية الإسراع بالتحرك للخروج من حالة التراخي وشبه الفراغ الذي تعيشه البلاد حاليا”.

ودفع تزامن هذه الاجتماعات وما رافقها من تطورات، المراقبين إلى إثارة الكثير من نقاط الاستفهام حول مصير الحكومة الجديدة المُقترحة، التي يبدو أنها انزلقت في متاهة الحسابات الضيقة التي ساهمت في ارتفاع منسوب التوجس والقلق لدى غالبية الأوساط السياسية التي لم تعد تُخفي خشيتها من مخاطر عودة المسار الحكومي إلى مربع الانسداد الذي من شأنه مخاطر استمرار الفراغ السياسي في البلاد.

4