لقاء الصحافة بالعلوم هل ينقذ الإعلام العربي

المادة الصحافية المرجوة والقادرة على الصمود أمام التحديات تبسط الحقائق العلمية في قالب سردي يجذب القارئ.
الاثنين 2019/10/14
محمد المخزنجي: التزاوج بين الصحافة والعلوم ضروري

القاهرة – يتأرجح المتخصصون بين التفاؤل والتشاؤم عند الحديث عن المستقبل والمحتوى الذي يجب أن تقدمه الصحافة، مع غياب الاهتمام بأنواع محددة من الصحافة، تعتبر أقل جذبا للقارئ، لكن معهد غوتة الألماني في القاهرة فتح حواراً على مدار يومي السبت والأحد، حول ما قد يصبح طوق النجاة للمهنة عند “اللقاء بين الصحافة والعلوم”.

وأكد خبراء شاركوا في مؤتمر غوتة، مثل لارس غونتر من جامعة هامبورج، وكريستين هوبنهاوس الصحافية العلمية من برلين، أن التحديات التي تواجه الصحافة العلمية تعاني منها الدول المتقدمة والمتخلفة معا، لكن تقديرهم للموقف يظل منقوصاً، ففي ظل عدم تكافؤ إنتاجية العلوم وجودتها، وعدم تكافؤ الوعي الجمعي وانتشار الشائعات والخرافات بين الجمهور، يصعب النظر إلى المشكلتين وفق الإطار ذاته.

وتنبع أهمية العناية بالعلم على المستوى الإعلامي من الأدوار المعمقة التي يجب أن تلعبها الصحافة، إذا أرادت الاستمرارية، بعدما سحبت وسائل أخرى أدوارها، فلم يعد القارئ في حاجة إلى اقتناء صحيفة لقراءة نتائج قرارات ما، بل هي تصنع أمام عينيه ويحاكيها عبر وسائل التواصل الاجتماعي والتلفزيون.

كما أن المجتمعات العربية التي تنتشر فيها الخرافات، في حاجة ماسة إلى بث التفكير العلمي والنقدي لدى صحافيِّها ومن ثم القارئ، ليصبح كل منهما قادراً على نقد المعلومات، بما يقوض الشائعات. والعلم أيضاً بحاجة إلى الصحافة لمنحه دفعة مجتمعية، وتقديرا واجبا.

المادة الصحافية المرجوة والقادرة على الصمود أمام التحديات تبسط الحقائق العلمية في قالب سردي يجذب القارئ

لم تقدم ندوة المعهد الألماني في القاهرة وصفة محددة، وعكست التباين في وجهات النظر، والفجوة بين التنظير والتطبيق، ما يمنح مؤشرات أولية، مع الأخذ في الاعتبار أوضاع الصحافة عربياً، بأن التحسن المرجو قد يظل محدودا وفرديا، ولن تشهد طفرة تتزاوج فيها الصحافة مع العلم قريباً.

يرتبط تحقيق قفزة وسط الأزمات المتراكمة بإدراك العلاقة المرجوة ورسم خطوط التقاطع بين الجانبين، ونحن بحاجة إلى إجابة حاسمة عن: هل يصلح التزاوج بين الصحافة والعلوم؟

يجيب الطبيب والصحافي والأديب المصري محمد المخزنجي، بأن التزاوج ليس ممكناً فقط بل ضروري، ويعبر عنه بمصطلح “الثقافة الثالثة”، التي تمتزج فيها الحقائق العلمية بالقصص السردية والوسائل التكنولوجية الحديثة من المؤثرات البصرية والسمعية.

يعني أن المادة الصحافية المرجوة والقادرة على الصمود أمام التحديات تبسط الحقائق العلمية في قالب سردي يجذب القارئ الذي جُبل على حب الحكي، موظفاً كافة الوسائل المتاحة، صور، فيديو، مؤثرات سمعية وبصرية، رسم بياني، وغيرها.

شدد المخزنجي على أهمية الدهشة المكنونة في العلوم، والتي يجب تصديرها للجمهور العام، لتجني تفاعلات تفوق التوقعات، وهو شخصيا كسر الصورة النمطية عن الكتابة العلمية خلال مسيرته، وجذبت كتاباته غير المتخصصين.

ولفتت كتابات المخزنجي المبسطة والشيقة في تقديم العلوم، العالم الراحل أحمد زويل، وتفاعل مع مصطلح “الدهشة” الذي يعتبره المخزنجي مفتاح مزج الصحافة بالعلوم أو ما يوصف بـ”ربط العامة بالعلم”.

لكن هل تقف الحدود المرجوة للقاء الصحافة بالعلوم عند القدرة على تبسيط الأولى للثانية؟ يقول المخزنجي لـ”العرب” “الدهشة واسعة، ومصطلح العلوم لم يعد قاصراً على العلوم الكيميائية والفيزيائية، فكافة العلوم الإنسانية، والسياسة والفن و..، تندرج أسفل المصطلح، لذا حين نتحدث عن الدهشة كمدخل فهي تشملها جميعاً، ولا تقتصر على الصورة الذهنية النمطية للعلوم”.

تبين معطيات كثيرة أن الإشكاليات لم تُحسم، والعالم أمام منهلين كليهما مفيد للصحافة، وإن بدا أحدهما جزئياً والآخر شاملا، فالجزئي سينهل من العلوم للصحافة في الفرع المتخصص (الصحافة العلمية) بثوب ينطلق من القاعدة التي وصفها المخزنجي بـ”الدهشة”، وبخلطة العلم والحكي والوسائل الحديثة، أما الأكثر شمولاً فهو الذي ينهل من العلم مبادئه وحكمته ويمضي في كافة الفروع، منها الصحافة التحليلية والصحافة الاستقصائية وصحافة البيانات.

الصحافة في حاجة إلى العلم لإعداد صحافي مميز بعقلية باحث
الصحافة في حاجة إلى العلم لإعداد صحافي مميز بعقلية باحث

وثمة من اعترض، وهو رئيس تحرير موقع علمي يسمى “العلوم الحقيقية”، على تبسيط العلوم أو خلطها بالحكي والسياسة والفن ومناحي أخرى، وعدّها “فقدانا للهيبة” وبمثابة إهدار لـ”التقاليد الراسخة”. والمثير أن من اعترضوا على طرحه مقابل تأييد المناحي الحديثة والدمج كانوا الأكثر.

أكاديمياً، يبدو أن ثمة جهودا للّحاق بالركب العالمي في البحث عن أدوار عميقة للصحافة، وبشر بذلك أستاذ الصحافة في جامعة القاهرة محمود علم الدين، لافتاً إلى أن مادة “الصحافة العلمية” التي كانت ضمن المقرر الدراسي للطلاب في كلية الإعلام لا تشهد إقبالا للتسجيل فيها، أصبحت ضمن الأكثر إقبالاً في الوقت الحاضر.

وأوضحت أستاذة الصحافة الدكتورة نرمين الصابر، وهي إحدى أساتذة مادة الصحافة العلمية، لـ”العرب” أن مضمونها يعنى بإعداد الطلاب وفقا لمبادئ التفكير العلمي وسبل النقد والتحليل، بحيث يستطيعون تناول كل موضوع على نحو معمق، ثم يتم الدخول في إطار أكثر تخصصاً في الصحافة العلمية والنظريات الإعلامية.

وتعتمد هذه المسألة على طريقة تفاعلية، حيث يتم للطلاب شرح طريقة التعاطي مع المواد العلمية و”تصحيفها” على نحو مبسط، ثم يطلب منهم تقديم نماذج بأنفسهم كطريقة للتدريب.

وأكدت الصابر أن الصحافة في حاجة إلى العلم، سواء في مبادئه وأساليب تفكيره لإعداد صحافي مميز بعقلية باحث يملك الفضول الذي هو أساس العمل الصحافي والعلمي، أو في العناية بالعلم في ذاته وتقديمه مبسطاً لجذب العامة.

18