لقاء الفلسفة والأدب والوجه القاسي للحداثة

تفتح الترجمة أفقا واسعا لقراءة العالم، العالم الذي يمكن أن نختصره بالأفكار، وأن نصطنع معه حوارات تُتيح لنا المزيد من المعرفة والشك، والبحث عمّا وراء الأفكار من الأشياء التي تكتسب قوتها من “قوة الكلمات”، وهو عنوان الكتاب الجديد للروائية والمترجمة العراقية لطفية الدليمي الذي تحكي فيه عن عوالم الترجمة.
السبت 2017/10/21
الأدب يحتاج إلى المعرفة والفكر (لوحة للفنان هاني مظهر)

يضعنا الكتاب الجديد للروائية والمترجمة لطفية الدليمي “قوة الكلمات” أمام لعبة الترجمة الفائقة الخطورة، حيث تتحول الترجمة إلى حفريات في أفكار الآخرين، وإلى خيارات تلتقي عند العتبة الساحرة لتلك القوة، وعند ما يمكن أنْ تبعثه الكلمات من شفرات وأقنعة وحمولات، وما تثيره من أسئلة تعزز الثقة بأننا كائنات لغوية بامتياز.

حوارات كاشفة

يضمّ الكتاب، الصادر عن دار المدى ببغداد، مُقدمة تعريفية انطلقت فيها الكاتبة من أهمية العلاقة بين الأدب والأفكار والتاريخ والسيرة والمعرفة، وأهمية أنْ تكون الترجمة حلقة مهمة في هذه العلاقة، بوصفها فضاءً ثقافيا، وواسطةً للتعرّف الثقافي، ومجالا لتقديم الأفكار إلى الجمهور الشغوف بتتبع تاريخها، وبطبائع ما تحمله من سيرٍ وحيواتٍ لكُتّابها.

وتجمع الدليمي في القسم الأول من الكتاب عددا من الحوارات الثقافية مع كُتّابٍ أثارت كُتبهم وأفكارهم جدلاً واسعا، مثلما فتحت آفاقا لجدل هذه الأفكار وتتبع تاريخها وأسئلتها، فالحوار مع السوسيولوجي زيغمونت باومان له نكهة خاصة، إذ تتبدى عنونة “إطلالاتٌ على عصر الحداثة السائلة” التي اختارتها وكأنها مقاربة لأفكاره، ولرؤيته في معالجة كلِّ التمظهرات التي اندفعت فيها الحداثة، وتلمّسها لما هو مُتغير ومُتحول في الأفكار، وفي كلِّ ما يتعلق بأنماط الحياة الحديثة وتمثلاتها لقيم الحرية، والتخلّص من قيود المهيمنات والعادات، وأسر العلاقات الضاغطة اجتماعيا وسياسيا وثقافيا.

كما أنّ حواراتها مع الكاتبة شميم بلاك، والكاتب فيليب كيني والكاتبة كارين أرمسترونغ كشفت عن مستويات تتعلق بعلاقة الكتابة الثقافية مع الأساطير والميثيولوجيات ومع المشكلات النفسية، فضلا عما يمكن أن تُثيره تلك الحوارات من أسئلة تخصّ التأثر بالخطاب الديني الأصولي وانعكاساته على صياغة الأفكار والرأي والمواقف.

وما أفردته الباحثة للحوارات مع كولن ولسن، وأرنستو ساباتو يعكس اهتمامها بعوالمهما وسيرتهما، وبأهمية كتاباتهما، وتأثيرها على أجيالٍ متعددة من القرّاء والمثقفين، ممثلة مجالا واسعا لحساسيتها في تلمّس ما تُسمّيه الباحثة بـ”إعادة اكتشاف حسِّ الدهشة المخبوءة في أعماقنا” والتي اشتغل عليها ولسن في الكثير من كتاباته، بوصفها كتابات أفكار وفلسفات من جانب، وكتابات تهجس بشفرة التحوّل الذي تعرّض له الإنسان المعاصر من جانب آخر، فهذا الحوار هو توغل في حياته وفي أفكاره، وفي التعرّف على نظراته الفلسفية، وعلى مواقفه المثيرة للجدل، فضلا عن أنّ مقاربتها لأفكار الأرجنتيني ساباتو الذي تسميه بـ”الكاتب الرؤيوي” انطلقت من رغبتها في التعبير عن انحيازها لرواياته، وأنها استقرأت من خلال تلك الروايات رهافة نظرته الخاصة للعالم، تلك النظرة المسكونة بالشكِّ، والقلق، والبحث عما هو عميق في عوالم ومتاهات الفكر والفلسفة.

وحتى حوارات الكاتبة المختارة للعالم الإدراكي دانييل دينيت والفيلسوفة الروائية ربيكا غولد شتاين لا تخرج عن نظرتها لهاجس ما تستدعيه القارئة من كشوفات ثقافية تتعالق فيها الأفكار مع القراءات، ومع ما يتبدى في السيرة من نظرات شخصية ساحرة للعالم، تلك التي تلتقي فيها الفلسفة والرواية مع السيرة ومع كتابة اليوميات، أو حتى مع العالم بوصفه وجهَ الحداثة القاسي، حيث لا يملك الكاتب سوى الذهاب إلى الأفكار وأسئلتها الأدبية لمواجهة همجية العالم وحروبه وعماه.

العلاقة بين الأدب والفلسفة فضاء ثقافي، وواسطة للتعرف الثقافي، ومجال لتقديم الأفكار إلى الجمهور الشغوف بتتبع تاريخها

كشكول معرفي

تخصص لطفية الدليمي القسم الثاني من الكتاب لعدد من المقالات المُترجَمة، والتي حرصت على اختيارها وترجمتها للتعريف بالتوصيف الفلسفي للأفكار، ومن خلال الكشف عن تعالقها بالأدب، وبسردياته، إذ تتجرد الفلسفة من كونها تجريدا، أو مقاربات في الماورائيات إلى شواهد على فاعلية المعرفة، وعبر تعزيز ما هو أدبي وجمالي، فترجمات الدليمي المُختارة لموضوعات “الرواية الفلسفية” و”الحقيقة الروائية والحقيقة الفلسفية” و”قراءات في بعض الروايات الفلسفية” و”الفلسفة لعامة الناس”، هي تأكيد لقيمة الفلسفة في تعالقها مع الأدب، لا سيما الأدب الروائي، إذ كثيرا ما يجد الروائيون في الفلسفة مجالهم المعرفي لتعظيم الأفكار، ولتجسير العلاقة ما بين السؤال الفلسفي والسؤال الأدبي، أو بين اللغة بوصفها الشعري والسردي وبين ما تحمله من علامات لها القدرة على التموضع والتعبير والتشفير، والقدرة على تجاوز الاتصالي إلى ما هو خطابي.

هذا التعظيم للفلسفة يعكس حجم الفقر الثقافي الذي نواجهه، إذ تبعث هذه المقالات أكثر من رسالة للقارئ العربي، وباتجاه تحفيزه على ضرورة إثارة الأسئلة، وعلى أهمية إدراك الفكرة الفلسفية ودورها المعرفي في تنشيط الفكرة الأدبية، وحتى ترجمتها لمقالات “اللعب مع أفلاطون: الفلسفة في عصر التغوّل المادي والأصوليّة العلمية”، و”ما الذي يصنع منك فيلسوفا؟ إضاءات على طريق صناعة فيلسوف”، تدخل في سياق توجيه النظر إلى الفلسفي، وإلى أهمية التأليف المعرفي، وعلاقة الفلسفة بالعلم، وفي إقامة مقارباتٍ توجّهها القراءة الفاعلة، وبالاتجاه الذي يجعل من أسماء فلاسفة مثل أفلاطون وسقراط وبرتراند راسل وكولن ولسن مجالا علاماتيا للقراءة والتواصل، وللكشف عن أفكار مضمرة، وعن تساؤلات تظلُّ رهينة بالوعي، وبقدرة الأفكار على تمثيل الأشياء التي تحوطنا، وبفاعليتها في تحسين ظروف الحياة، وتعزيز قيم الجمال والحب والعدل والعلم والحوار، وفي إنضاج العمل المؤسسي، بما فيه مؤسسة الترجمة، فمن الصعبِ جدا أنْ نتخيّل العالم بلا مترجمين، أو العالم من دون كلمات لها طاقة وقوة المعرفة.

هذا الكتاب يشبه كشكولا معرفيا، نحتاجه في يومياتنا الثقافية، من حيث طبيعة اختيار الحوارات والمقالات، ومن حيث اختيار الأفكار التي حرصت المُترجِمة على أنْ تُعطيها دورها في التعبير عن قوة اللغة، وسحر كلماتها في التأثير، وفي فاعلية خطابها على عقلنة وظيفة المعرفة لتكون هي الأخرى قوة مضادة وحاضرة في حماية الإنسان، وفي تحسين شروط وجوده، وشرط مهاراته في رؤية العالم والتمسك بإرادته.

16