لقاء بحثي في الإمارات يطرح سؤال مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي

الاثنين 2013/10/28
صعود الإسلام السياسي استهدف الدولة الوطنية

أبوظبي - ما يسود الساحة العربية من حراك سياسي سريع ومتداخل ارتباطا بالثورات العربية وما تلاها، حتم إخضاع الظواهر السياسية الجديدة إلى محك البحث والدراسة، وفي هذا الصدد احتضنت دولة الإمارات العربية المتحدة "منتدى الاتحاد الثامن" الذي ينعقد في إطار احتفال جريدة الاتحاد الإماراتية بالذكرى الرابعة والأربعين لصدورها، وهو فعالية بحثية وفكرية دأبت "الاتحاد" تنظيمها منذ سنوات. اللقاء البحثي لهذا العام خًصص لبحث وتمحيص قضية "مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي"، وامتدت أشغاله طيلة يومي 27 و28 من هذا الشهر.

يشارك في هذا المنتدى، الأستاذ محمد المر، رئيس المجلس الوطني الاتحادي الإماراتي، ومحمد أوجار، وزير حقوق الإنسان المغربي السابق، وعمار علي حسن الباحث السياسي المصري، إضافة الى الكاتب الإماراتي عبد الله الحاج، والعديد من الشخصيات السياسية وكوكبة من المفكرين العرب.

قضية مستقبل الدولة الوطنية مهمة جدا

في الجلسة الافتتاحية اعتبر محمد المر رئيس المجلس الوطني الاتحادي لدولة الإمارات العربية المتحدة في مداخلته الموسومة "مفهوم الوطنية ودلائل الانتماء للوطن" أن إثارة قضية مستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي للنقاش في فعاليات المنتدى بالغة الأهمية نظرا لأنها تتزامن مع أخطر التحديات والتغيرات التي تشهدها غالبية الدول الوطنية في عالمنا العربي من تبدلات في أنظمة سياسية، وهبوب عواصف عاتية على النسيج المجتمعي داخل الدولة الوطنية العربية.

ويحدث ذلك في وقت شاع الحديث في الآونة الأخيرة عن نهاية الدولة الوطنية نتيجة سيرورة العولمة، وتغير وظائف الدولة التقليدية التي لم تعد دولة حارسة ومتداخلة بل هي دولة رعاية بعدما تغيرت طموحات الأفراد بفضل النمو المتراكم لثورات الاتصالات والمعرفة، والمعلومات، والإعلام والتكنولوجيا، مما جعل التقنية الذكية تحلّ تدريجياً محل العامل البشري في الإنتاج والخدمات.

عناصر الوطنية


وعرّج المحاضر على تحديد العناصر التي تبرز مفهوم الوطنية ومدى ارتباطه بمستقبل الدولة الوطنية في العالم العربي، وكان أولها موقع كل دولة عربية على حدة من النظام العالمي بمتغيراته وتطوراته، ثم موقع الدول العربية في مجموعها من هذا النظام العالمي، باعتبار النظام العالمي هو الحاضن للقيم والمبادئ والمعايير الدولية التي يجب أن تسود العالم.

وأشار في العنصر الثاني إلى موقف كل دولة عربية من الدول العربية الأخرى، فإذا كان مفهوم الوطنية هو الوعاء الرئيسي للدولة الوطنية العربية، فإن هذا الوعاء يستلهم الكثير من أفكاره، ومعتقداته من المحيط العربي. وتساءل عن إمكانية تكامل مفهوم الوطنية في الدولة مع ذات المفهوم في الدول الأخرى دون أن يعني ذلك الانتقاص من خصوصية كل وطنية أو أن هناك تعارض وتنافر. وناقش الأستاذ المر في العنصر الثالث امكانية الحديث عن مفهوم واحد للوطنية داخل الدولة الوطنية العربية، أو تعدد مفاهيمها بناءً على اختلافات دينية، أو قومية، أو عرقية، أو قبلية، لأن هذه الاختلافات تعوق بناء الدولة المدنية التي إن غابت فسيغيب معها الحديث عن مفهوم الوطنية وفق أصوله العلمية.

بعض التدخلات الخارجية في شؤون الدول الاخرى يتم تحريكها تبريرها شعبياً من قبل أهداف إنسانية تحتاج إلى كل أنماط حقوق الإنسان العالمية، ورغبة مجلس الأمن الدولي في اعتبار المشاكل الإنسانية بأنها تهديدات للسلام والأمن الدوليين

مفاهيم متعددة

في هذا الصدد قدم الأستاذ المر تعريفات متعددة للوطنية، معتبراً أن هذه الأخيرة لا يمكن فصلها عن المواطنة التي في معناها الرئيسي تنصرف إلى الأداء الفردي للواجبات والالتزامات واحترام القوانين، وعدم الإخلال بالمبادئ الدستورية، ليخلصَ إلى أن الوطنية هي محصلة للمواطنة. وأكد المحاضر أن الوطنية الجيدة تعني مواطناً جيداً يلتزم بأداء واجباته اليومية تجاه وطنه، والتاريخ هو الوعاء والمنهل الذي تنهل منه الوطنية قيمها ومبادئها وثوابتها.

ثم تطرق إلى الحديث عن مفهوم الوطنية لمؤسساتية الذي يعني الولاء لأجهزة الدولة الوطنية والذي يعبر عنه بالعمل المتفاني والدؤوب لرفعة شأن المؤسسات الوطنية سواء كانت سياسية، أو اقتصادية، أو ثقافية، أو اجتماعية، أو أمنية. ففي الوطنية المؤسساتية يجب أن يرتفع الفرد عن مصالحة الضيقة إلى المصلحة العامة المجتمعية. فالمنصب مهما لا يكون تشريفاً بقدر ما يكون تكليفا في تحقيق غاية المصلحة العامة المجتمعية. وأن أي مواطن يُعلي من قيمة مصالحة الفردية الضيقة على المصلحة العامة المجتمعية في الوطنية المؤسساتية فهو خائن لهذا النوع من الوطنية.

وحسب الأستاذ المر فإن الأزمة الحقيقية التي تعاني منها الدولة الوطنية العربية هي اختزال الوطنية في مفاهيمها الانفعالية الوجدانية العاطفية، وإهمال دور التربية الوطنية في الاستفادة من هذه الطاقة الوجدانية للفرد وتحويلها إلى عمل إيجابي متفان داخل المؤسسات الوطنية المؤسساتية.

وأشار إلى أزمة مفهوم "الوطنية" في العالم العربي من خلال عدة إشكاليات منها، إخفاق تجارب التنمية الاقتصادية والبشرية في الكثير من البلدان العربية التي خلقت شعوراً لدى المواطنين بإنكار الوطنية المؤسساتية، ومن ثم نشأ ما يطلق عليه "دولة الثقب الأسود"، التي لا تتمتع بثقة الداخل مما جعل العديد من مجتمعات الدول العربية تتعايش في إطار من الثقة المفقودة بين الجماهير ومؤسسات الدولة، وأدى ذلك عمليا إلى انكماش الكثير من المواطنين العرب على أنفسهم، وأصبحوا يبحثون لهم عن ملاذ آخر لمفهوم الوطنية المتعارف عليه مما نشأ عنه مفهوم " التقوقع التعصبي" بديلاً عن مفهوم الوطنية.


الإسلام السياسي

صعود الإسلام السياسي أدى إلى تعميق الانقسامات الجزئية وتغيير مفهوم الوطنية حيث لم يعد الحديث عن مفهوم الدولة الوطنية بقدر مفهوم الأمة الإسلامية. وأوضح المر أن هناك تباينا كبيرا بين مشروعي بناء الدولة الوطنية الذي تترسخ فيها مفاهيم الوطنية والمواطنة، وبين مفهوم الأمة، فبناء الدولة ومفهوم الوطنية يتركزان حول تحقيق الاندماج بين مكونات الدولة سياسياَ واقتصادياً واجتماعياً والتوحد والتوافق حول هذه المكونات.

فالوطن في الإسلام يشمل القطر الخاص أولاً، ثم يمتد إلى الأقطار الإسلامية الأخرى ومن ثم وفق الإسلام بين شعور الوطنية الخاصة وشعور الوطنية العامة. ورأى المر أنه لا يمكن الحديث عن تعارض أو تناقض بين الدولة الوطنية العربية، وبين الإسلام باعتباره أحد مكوناتها الأساسية، وهو الحاضن لكل تجارب الحداثة الوطنية. واعتبر أن التيارات التي تقود حركة الإسلام السياسي في الدول العربية هي التي أوجدت التناقض بين الحداثة الوطنية والإسلام.


المواطنة والثورات


أن هناك أزمة في العلاقة بين الحراك الاجتماعي الهائل الذي تشهده المجتمعات العربية، وبين مفهوم الوطنية والمواطنة، فمن الواضح أن الثورات المعرفية الخمس التي شهدها العالم في العقد الأخير من ثورات اتصالات، وإعلام، وعلم، ومعرفة أو ما يطلق علي " العولمة الكوكبية" أدت إلى حراك اجتماعي عميق خاصة بين فئة الشباب العربي، إلا أن ذلك قابله الحفاظ على تقليدية الأنظمة والمؤسسات في الكثير من البلدان العربية مما جعلها تواجه صعوبة في صناعة وتطبيق السياسات العامة.

العدالة الاجتماعية

ولعل واحداً من إشكاليات مفهوم الوطنية في عالمنا العربي ما يتعلق بأزمة العدالة الاجتماعية، التي تؤثر تأثيراً جوهرياً في مفهوم الوطنية المؤسساتية، كما أنها تؤثر بدرجة أو بأخرى على مفهوم الوطنية البيئية من حيث عدم احترام المواطنين للقوانين، والالتزامات الواجبة. فانتشار الفقر، والتفاوت المعيشي الصارخ بين فئات المجتمع داخل العديد من الدول الوطنية العربية أدى إلى انتشار "التقوقع التعصبي"، أي أن يمد الفرد ولاءه لمذهبية دينية أو فكرية أو إثنية. واعتبر المحاضر أن فشل تجارب التنمية الاقتصادية في العديد من البلدان العربية أثر على قدرتها في ترسيخ مفهوم الوطنية لدى غالبية أبنائها من المواطنين. كل ذلك كانت نتائجه إشكالية حقيقية في الربط بين مفهومي المواطنة، والوطنية. فالعلاقة الصحية بين المفهومين تكتمل عندما تكون الدولة قادرة على القيام بوظيفتها الأساسية في "الرعاية الاجتماعية" لمواطنيها.

وتوصل المر إلى أن مفهوم الوطنية في الدولة الوطنية العربية يعاني من أخطار حقيقية، ومهددات فعلية. ودعا إلى أن يتم إعادة دراسة مفهوم "الوطنية المتكاملة" من خلال ورش عمل عملية متخصصة لانقاد الدولة الوطنية العربية من مهددات وجودها.

تأثيرات الربيع العربي

الوضع السياسي العربي

سعت مداخلة محمد أوجار وزير حقوق الإنسان المغربي السابق والتي حملت عنوان "الدولة الوطنية في زمن التحولات :المفاهيم والأسئلة الجديدة" إلى التأمل في الوضع العربي عبر محاولة قراءة التأثيرات المباشرة وغير المباشرة لمجمل الأحداث والثورات الشعبية والتحولات السياسية التي شهدتها بعض الدول العربية بفعل مخاضات ما يسمى بـ"الربيع العربي" على مفهوم الدولة الوطنية، ووظائف هذه الدولة وأوجه قصورها أو نجاحها في مواجهة تحديات المرحلة التاريخية التي تمر منها المنطقة، أو التعاطي مع تطلعات المواطنين في العيش الكريم.

وانطلقت ورقة أوجار من فرضية أن الدولة الوطنية في الوطن العربي واجهت على امتداد السنتين الأخيرتين وبالتحديد منذ اندلاع أحداث وثورات "الربيع العربي"، تحديات تاريخية مست في الجوهر، مشروعية الدولة الوطنية، وهزت المؤسسات الدستورية التي تقوم وتتأسس عليها، ودكت هياكلها وبنياتها، وأخرجت إلى الشوارع المواطنين والمواطنات، للمطالبة بسقوطها والإطاحة برموزها.

وطرحت الورقة تساؤلا عن أسباب ودواعي مواجهة الدول العربية لهذا المصير الصعب الذي جعلها تسقط- رغم الفوارق بين أنظمتها السياسية وأشكال هيكلتها المؤسساتية مثل حالة ليبيا، مصر، تونس، اليمن، وحالياً سوريا- في مأزق الصدام مع الشعب؟ وهل أن المفاهيم الكلاسيكية للدولة، والقيم والمبادئ التي تقوم عليها الدولة الوطنية لم تعد صالحة للزمن العربي الراهن، أم أن الممارسة الميدانية والفعلية في الدول التي سقطت تحت تأثير "الربيع العربي"، رغم كل الشعارات التي كانت ترفعها أنظمة الحكم السياسي التي كانت سائدة فيها، لم تكن في الحقيقة منسجمة ومتجاوبة مع العمق الحقيقي والمحتوى الفلسفي لمفهوم الدولة الوطنية؟

يرى أوجار إن التحولات السياسية الاجتماعية وقبلها التغيرات الثورية في المجال الرقمي وتكنولوجيا المعلومات وفتوحات العولمة المالية واقتصاديات السوق، وتحول العالم اليوم إلى فضاء موحد وصغير "العالم أصبح قرية رقمية يطرح على مفهوم الدولة كمصطلح وكمفهوم، وكممارسة " سيادية لبعض الوظائف والمسؤوليات رهانات حادة وأسئلة مقلقة.

كما اعتبر أن الدولة الوطنية الكلاسيكية الحريصة على سيادتها الترابية وأجوائها الوطنية ومياهها الإقليمية، وسلامة وأمن مواطنيها، وحماية منظومة قيمها الروحية والدينية والثقافية، تواجه اليوم اختراقات مباشرة تطرح مفهوم سؤال السيادة اليوم وتضع على المحك كل القيم التي كنا نعتبر قبل زمن يسير أنها من الثوابت والقيم والإشكالات المحسوم فيها بشكل نهائي.

إن العالم اليوم يتغير بسرعة مذهلة يصعب على التشريعات الوطنية مجاراتها، ويتعب الفكر الإنساني في استيعابها وضبطها فبالأحرى تقنينها، وإيجاد مكان مناسب لها ضمن منظومة القيم والمبادئ وشبكة المؤسسات التي بنيت عليها الدولة، والتي هي الحجر الأساس في النظام الدولي والعالمي الذي نعيش فيه.

وعرّج المحاضر إلى أن الدولة الوطنية وجدت نفسها فوق أراضيها وضمن مجال سيادتها، في مواجهة ممارسات وسلوكات لا قدرة لها على التعاطي معها، إلا بغض البصر أو السلبية أو الزجر الأمني المفرط.

كما أن التوقف عند إفرازات الثورات العربية في دول الربيع، يكشف كيف أن "الدولة" بكل أجهزتها الاستخباراتية" والأمنية والقمعية عجزت عن "الاستقواء" بمفهوم السيادة وكل ما يوفره من وسائل ويضمنه من وظائف لمواجهة ما يتسرب وينتشر عبر شبكات التواصل الاجتماعي والفضائيات من دعوات لإسقاط هذه الدولة نفسها.

من الضروري أن تمتلك الحكومات العربية قدرة على إدارة التراب الوطني مع وصول سوريا مثلا إلى حافة التفكك، وعدم استعادة الدولة العراقية لانصهارها السابق على الغزو الأميركي، وتصاعد الخلاف حول استمرار "الوحدة اليمنية"، وبقاء الصومال مفككاً، وانقسام السودان

إن التحولات العميقة التي تمر منها المنطقة العربية تفرض على النخب الفكرية العربية أن تقارب أسئلة هذه المرحلة التاريخية بكل جرأة فكرية ونزاهة علمية ومسؤولية وطنية، فالدولة العربية، حتى في الدول التي لم يؤثر فيها "الربيع" بشكل دراماتيكي، مدعوة لمواجهة سؤال الحقيقة والشفافية، ومحاولة بناء إجابات عقلانية على هذا السؤال بما يتجاوب ومتطلبات هذه التحولات العميقة ومطالب الإنسان العربي بالكرامة والحرية وحقوق الإنسان والديمقراطية وتوسيع المشاركة السياسية. هل هناك أية مصداقية اليوم لأية دولة لا تقوم على مشروعية دستورية، ولا تستحضر أن الهدف هو بناء دولة القانون والمؤسسات الديمقراطية وتحقيق التنمية.

يخلص أوجار إلى أنه على المواطن العربي- وهو ينخرط في العالم الجديد وقيمه العابرة للقارات- أن يسائل نفسه وممارساته وشبكة علاقاته، وأن يؤسس لمناعته عبر الانتصار لوطنيته ودولته الوطنية، وأن يرفض الامتثال لأية أجندة سياسية خارجية وأجنبية.

هذه التساؤلات والأفكار هي موضوع تأملات أولية تسعى هذه المداخلة للإحاطة ببعض جوانبها كمحاولة للإسهام في إغناء وإعادة اكتشاف مفهوم الدولة الوطنية في زمن التحولات.

علي: كل دولة تكونها أشتات من البشر


التعايش الوطني

افتتح الباحث المصري المتخصص في الاجتماع السياسي عمار علي حسن محاضرته الموسومة بعنوان "آليات تحقيق التكامل الوطني" بالإشارة إلى عدم وجود دولة واحدة في العالم تتمتع بتجانس اجتماعي تام، فكل الدول تكونها أشتات من البشر، إن لم تكن قبائل فهي طوائف أو أعراق أو طبقات أو مذاهب أو شرائح أو لغات ولهجات مختلفة، ناهيك عن تعدد الهويات والثقافات الفرعية داخل كل ثقافة أصلية. بل إن الدولة الأقوى عسكرياً واقتصادياً في عالمنا المعاصر، وهي الولايات المتحدة الأميركية هي عبارة عن "متحف أجناس بشرية".

لكن هناك دولاً تمتلك قدرة فائقة على تذويب أشتاتها عند الحد المناسب الذي يضمن التعايش ويعززه، ويحول الاختلاف إلى تنوع خلاق.

وتوجد دول أخرى تفشل في تحقيق "التكامل الوطني" بين الجماعات التي تكونها، وتحول الاختلاف إلى خلاف بل شقاق، يجعلها تعاني من أزمات تلاحقه، واحتقانات مستمرة، تعيق تقدمها، وتغري المتربصين بها وأعداءها بالتدخل بدس أنوفهم في شؤونها الداخلية.

فمع وصول سوريا مثلا إلى حافة التفكك، وعدم استعادة الدولة العراقية لانصهارها السابق على الغزو الأميركي، وتصاعد الخلاف حول استمرار "الوحدة اليمنية"، وبقاء الصومال مفككاً، وانقسام السودان، واحتمال تكرار هذه النماذج في بلدان عربية أخرى، أصبح من الضروري أن تمتلك الحكومات العربية قدرة على إدارة التراب الوطني.

وأشار حسن الى وجود وسائل كثيرة للوصول إلى هذه الغاية، منها "التواصل والاتصال" و"إدارة السياسات العامة"، فالأولى توفر الجانب المعنوي والرمزي والثانية تلبي الاحتياجات والمطالب المادية المتصلة بالحياة اليومية للمواطنين، والتي تمارس دوراً بارزاً في تحقيق الرضاء عن أداء الحكومة والشعور العام بالعدل والاقتناع ببذل السلطة ما وسعها من جهد في سبيل تحقيق ما لـ"المواطن" من حقوق.


الاندماج في المجتمع

وحدد عمار علي حسن في ورقته سبل تحقيق الاندماج الطوعي في المجتمعات الوطنية حيث أكد على أهمية مبدأ الطواعية باعتبار أن "الاندماجات" التي تتم قسراً لا يمكنها أن تعيش طويلا، وستظل قائمة، دون أن تتحول في أغلب الأحيان والمناطق إلى انصهار اجتماعي تام.

و أشار إلى أن الخصائص البنيوية المشتركة تؤدي جميعها إلى تماسك "التيار الاجتماعي العريض" ومنها ما يتعلق بالقيم الاجتماعية السائدة والمتوارثة والتي إن تجددت لا تخل بهذا التماسك ولا تهزه فجأة فتنتج تصدعات وتشققات تضر به

كما تطرق الى الدستور الذي يحكم التصورات والممارسات داخل الدولة و أهميته، حيث يجب ألا يفرق بين المواطنين على أي من الاختلافات القائمة بينهم، بل تساوي نصوصه بين الجميع في الحقوق والواجبات.

إضافة إلى أهمية حضور المشروع السياسي والحضاري المشترك بشكل طوعي، واشتماله على القواسم المشتركة والمصالح المتبادلة بين مختلف طوائف وطبقات وشرائح المجتمعات، يؤدي بهؤلاء جميعاً إلى التوحد والانصهار.

الدولة بكل أجهزتها عجزت عن «الاستقواء» بمفهوم السيادة لمواجهة ما يتسرب عبر شبكات التواصل الاجتماعي من دعوات لإسقاط هذه الدولة نفسها.

وقدم حسن نموذجان لتصدع التكامل الوطني كلياً وجزئياً، عرضت فيهما الوحدة الوطنية للخطر، أولاهما العراق، وثانيهما مصر، خاصة مع تصاعد بعض العمليات المتطرفة ضد الأقباط.

مصر والعراق

في تناوله للشأن العراقي أشار عمار علي حسن أنه لا يمكن الوقوف على الحالة الطائفية القاسية التي يعيشها العراق من دون رسم ملامح السياق العام الذي تعيش فيه الطوائف فيه، وتبيان التفاعلات الداخلية لها، والإجراءات المتتالية التي تم اتخاذها منذ سقوط بغداد في التاسع من أبريل 2003 حتى اللحظة الراهنة، سواء كانت مشاريع واقتراحات سياسية، أم قرارات بيروقراطية، أو قوانين يتم سنها وتشريعها، أو انتخابات وتمثيلاً سياسياً.

ورغم قرار الولايات المتحدة بالانسحاب التدريجي من العراق، فإنه بقي، حتى الآن، مجرد كيان اجتماعي مشوه، يتجاذبه صراع إرادات بين قوى سياسية وجدت في تفكيك الدولة العراقية الموحدة فرصة سانحة، كي تحقق أحلاماً تاريخية، طالما راودتها في تقسيم ثروات العراق الطبيعية ومسألة الفيدرالية.

هذه الظروف الصعبة، ما كان لها أن تكون لولا الاستبداد السياسي والظلم الاجتماعي، اللذين وصما مسيرة العراق لفترة طويلة، لكن إنهاء الاستبداد ورفع الظلم، لا يكون أبداً باحتلال الدولة وتفكيكها، ولا باستئثار طائفة بالقرار، وقيامهما بتهميش منظم لطائفة أخرى، والنزوع إلى الانتقام منها.

فالعراق الجديد يجب أن يسمو فوق النوازع الطائفية، ويحافظ على تماسكه ووحدة أراضيه بوضع القواعد المستقرة والمتفق عليها، التي تعلي من شأن المواطنة، وترسي العدل والمساواة بين الجميع.

أما في النموذج المصري فقد ترك الرئيس المصري الأسبق حسني مبارك وراءه تركة ثقيلة في مطلعها الاحتقان الطائفي الذي ما إن يخمد حتى يتجدد.

ويعول كثيرون على ثورتي 25 يناير و30 يونيو في أن تضعا حداً لهذه الآفة الاجتماعية

وأكد عمار علي حسن أن حال مصر، في اللحظة الراهنة، يبدو أفضل كثيراً من دول عربية أخرى، باتت في حاجة ماسة إلى ثقافة رفيعة من التعايش، تضمن لها الاستمرار على قيد الحياة، وتحصنها ضد التفكك إلى دويلات صغيرة، مثل ما هو مطروح حاليا بالعراق والصومال، أو الدخول في حرب أهلية طاحنة، مثل ما عليه الحال في لبنان، أو التعرض لاحتقانات مستمرة، تتفاوت من حيث الحجم والتأثير، مثل ما يجري في سوريا بين العرب والأكراد، وفي المغرب العربي بين العرب والأمازيغ، وفي السودان بين شماله وجنوبه، وشرقه وغربه.

وهذه الحالات جميعاً تستغلها قوى خارجية في تحقيق استراتيجياتها بمنطقتنا على حساب المصالح العربية المشتركة. ولا يمكننا أن نلوم الخارج في بحثه عما يعزز العناصر التي تحقق مصالحه، بل نلوم أنفسنا على أننا نحرث الأرض أمامه بما نزرعه من أحقاد وضغائن في نفوس أبناء الدولة الواحدة.

ولذا يناط بالنخبة المصرية، بمختلف ألوانها، أن تبحث عن سبل تأصيل ثقافة التعايش، من زاوية مدى الارتباط بين الدولة المدنية التي تقوم على عدم تسييس الدين وبين قيام تعايش سليم معافى، وإمكانية تأسيس مشروع وطني يمهد لإعادة بناء دولة القانون المرتكزة على التعددية السياسية والثقافية واحترام حقوق الإنسان، وبذل جهد فائق في البحث عن سبل الاستفادة من إعادة قراءة تاريخ العلاقة بين الفئات والشرائح الاجتماعية العربية، عبر فترات تاريخية، في فهم الواقع المركب والمعقد للعلاقة بينها في الوقت الراهن، وإبراز القيم المشتركة والموحدة من خلال التنقيب في التراث الحضاري الشرقي، المفعم بعبر لا يمحوها الزمن عن آفات الشقاق، ومآثر التوحد القومي بين سكان الدولة الواحدة.

التدخل الاجنبي

ومن جانبه قدم الكاتب الإماراتي عبدالله جمعة الحاج ورقة تتمحور حول "أثر التدخلات الخارجية في هزم التكامل الوطني"، وسلط من خلالها الضوء على مدى تطور مفهوم التدخل وتنوع وسائله، بحيث أصبح مصدره الدول وربما تنظيمات وقوى اقتصادية وشركات.

وأشار الحاج إلى أن تدخل الجهات غير الحكومية لا يقتصر على الجماعات الدينية وحدها، وذلك إذا تم أخذ الظاهرة بشمولية أكبر. فالشركات متعددة الجنسيات والهيئات الاستثمارية العملاقة الأخرى تتدخل كثيراً، حسب الحاج، في شؤون الدول الوطنية في العالم النامي، وذلك منذ بداية خمسينات القرن الماضي لأسباب اقتصادية ومالية واستثمارية بقصد حماية مصالحها.

واعتبر أن التدخل الخارجي يكون في حالات كثيرة تحت غطاء الجانب الإنساني ولإنقاذ أرواح البشر، وتحت مظلة مجلس الأمن الدولي. ولكن في الوقت نفسه، فإن عالمنا المعاصر يشهد ظاهرة جديدة تعطي جانباً بغيضاً للتدخل، وهو عندما تتدخل جهات غير حكومية في شؤون الدول مدعومة من الخارج، خاصة بالنسبة لدول العالم العربي وما يحدث فيها حالياً حيث تتدخل جماعات دينية متطرفة في شؤون دول وطنية ذات سيادة بغرض قلب نظم الحكم فيها.

وأشار الحاج إلى أن تدخل الجهات غير الحكومية لا يقتصر على الجماعات الدينية وحدها، فالشركات متعددة الجنسية والهيئات الاستثمارية العملاقة الأخرى تتدخل كثيراً في شؤون الدول الوطنية في العالم النامي، وذلك منذ بداية خمسينات القرن الماضي لأسباب اقتصادية ومالية واستثمارية بقصد حماية مصالحها على هذه الصدد.

دور القانون الدولي

تفاعل المحاضر أيضا مع عودة الاهتمام بالقانون الدولي والأخلاق الدولية وسياسة التدخل العسكري في شؤون الدول الوطنية ذات السيادة.

وألمح إلى أن جزء من هذا الاهتمام يعود إلى تزايد حوادث هذه الممارسة. ورغم أن الولايات المتحدة الأميركية والاتحاد السوفييتي السابق (روسيا حالياً) ضلعتا في تدخلات ضمن مجال محيط مصالحهما بشكل متكرر خلال فترة الحرب الباردة، إلا أنه منذ بداية عقد تسعينيات القرن العشرين أصبح التدخل مظهراً أكثر بروزاً في الساحة الدولية، لكن الاهتمام المتجدد يأتي أيضاً من التغير في مفهوم التدخل في بعض زوايا المجتمع الدولي من تصرف كان ينظر إليه في السابق بسلبية على أنه "تدخل ديكتاتوري"، إلى شيء محمود يتم تحريكه من قبل الرغبة في تحقيق السلام والاستقرار أو لإزالة خطأ ارتكبته دولة معينة أو قائدها. وقال عبدالله الحاج إن بعض التدخلات يتم تحريكها جزئياً وتم تبريرها شعبياً من قبل أهداف إنسانية تحتاج لكل أنماط حقوق الإنسان العالمية، ورغبة مجلس الأمن الدولي في اعتبار المشاكل الإنسانية بأنها تهديدات للسلام والأمن الدوليين.

وفي حالات أخرى أكثر إثارة للجدل والخلاف، يعتمد الفاعلون المتدخلون على تبرير مختلف ومضاد وهو الحتمية لإعادة صياغة البنية السياسية الداخلية للأقطار المعينة أو التي يتم التدخل فيها لإعادة أو زرع حكومة ديموقراطية.

إن العلاقة بين هذين المحركين الباعثين تقع في مركز بعض من أكثر النقاشات المعاصرة حامية الوطيس حول مسألة التدخل، خاصة المسألة المتعلقة بكون أن تغيير النظام ضروري لتحقيق مخرجات إنسانية مستدامة.

ورغم أن التبرير الإنساني لاستخدام القوة في التدخل قد تطور بسرعة ونال شرعية، إلا أن الإجماع حول تلك الشرعية بقي ضيقاً ومهزوزاً، خاصة عبر التبريرات العقلانية الحديثة، وهو مبدأ مسؤولية الحماية وبغض النظر عن غرضها المؤكد فإن استخدام القوة العسكرية دائماً ما يحمل معها إمكانية حدوث المزيد من سفك الدماء وفقدان الأرواح والتدمير وعدم الاستقرار الاجتماعي والسياسي. إن التدخل العسكري دائماً ما يكون في صراع مع مبادئ معيارية وقانونية مهمة تؤرق المجتمع الدولي.

واستند المحاضر في هذه المسألة إلى مسألة تدخل حلف شمال الأطلسي (الناتو) في ليبيا عام 2011 ، ورغبة الولايات المتحدة في ضرب سوريا هذه الأيام عقاباً لها على استخدام الأسلحة الكيميائية، وهي أمور تنظر إليها العديد من أقطار العالم، خاصة روسيا، ودول العالم النامي على أنها توسعة غير شرعية لمبدأ حماية المدنيين إلى أهداف أكثر ارتباطاً بإسقاط نظم الحكم في الدول التي يتم التدخل فيها.

كما أن ردة الفعل الروسية الأخيرة ضد التدخل في سوريا، بالإضافة إلى التشكيك المتزايد من جانب ما يسمى بالقوى الصاعدة المتشككة في نوايا الأجندات الغربية في العالم العربي، من المرجح أن تعارض أو في السنوات القليلة القادمة، تعرقل كلاً من تطبيق وتنفيذ مبدأ مسؤولية الحماية.

وخَلُص عبدالله الحاج إلى أن أنماط التدخل الخارجي السائدة في عالم اليوم في شؤون الدول الوطنية ذات السيادة نوعان رئيسيان هما التدخل من قبل الدول والتدخل من قبل الجماعات والهيئات غير الحكومية. من خلال مناقشته تدخل كل من الولايات المتحدة الأميركية وروسيا في شؤون الدول العربية، وتدخل جماعة "الإخوان" والجماعات المتطرفة الأخرى، وأخيراً التدخل الإيراني في شؤون مملكة البحرين، كجزء متمم للتدخل السلبي المؤدي إلى هدم التكامل الوطني.

واختتم عبدالله الحاج محاضرته بالتوصل إلى أنه لا حاجة للمضي في سرد التفاصيل، فنحن نعملُ على المراحل التأسيسية للدولة الوطنية العربية، أي العقود الثلاثة الأولى بين الثلاثينات والستينات من القرن العشرين، وتأثير النشأة والمحدِّدات الاجتماعية على أسس التكامل. وقد حفت بظهور الدولة الوطنية في المجال العربي ظروف وسياقات صعبة. لكنها تمتعت في البداية بشعبية كبرى، وتقدمت خطوات بالمشرق والمغرب، إلى أن حدث تطوران: قيام الدولة الصهيونية على أرض فلسطين، واستيلاء الضباط على الأنظمة السياسية خلال عقدي الخمسينات والستينات من القرن الماضي. وفي أواسط السبعينات كانت تجربة الدولة الوطنية العربية قد استنفدت قواها وإمكانياتها، بل استنفدت فرضتَها في إمكان النجاح، وإن بقيت عقوداً بعد ذلك. فقد تحولت إلى أنظمة عسكرية وأمنية أوليغارشية ليست لها حتى في نظر نفسِها والمتسلطين فيها رسالةٌ ولا مهمة غير الاستمرار في السلطة. أمّا بنيتها الداخلية فقد اعتمد على "تحالف الأقليات" بحسب البلدان، أي الإثنيات أو الدينيات أو المذهبيات أو الجهويات، أو سائر هذه الجهات معاً مع اعتماد القمع والتفكيك وتقسيم المجتمعات، والحملة على الأكثريات الدينية أو القومية.

6