لقاء بين السبسي والغنوشي يُعيد تشكيل أوراق المشهد السياسي في تونس

تصاعد المخاوف من عرقلة جهود إنهاء التوافق بين حركة النهضة ونداء تونس.
الاثنين 2018/07/09
الغنوشي يتحرك لإنقاذ التوافق

تونس - في خطوة لافتة في توقيتها، ومثيرة للجدل في دلالاتها وأبعادها السياسية، اختار الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي، لقاء راشد الغنوشي، رئيس حركة النهضة الإسلامية، خارج قصر قرطاج الرئاسي، وبعيدا عن الأضواء.

وتم هذا اللقاء مساء السبت، في الاستراحة الصيفية للرئيس السبسي في مدينة الحمامات السياحية، وسط صمت رسمي، سعت حركة النهضة الإسلامية إلى كسره بالكشف عنه في بيان مُقتضب حمل في طياته رسائل سياسية لا تخلو من الغموض الذي بات يلف مواقفها في علاقة بالأزمة التي تتفاقم في البلاد.

وقالت حركة النهضة في بيانها، إن لقاء الحمامات “جرى في جوّ من التفاهم حول أوضاع البلاد السياسية والاجتماعية”، حيث أكد الغنوشي خلاله على “أهمية سياسة التوافق وخاصة بين حركتي النهضة ونداء تونس”.

وأضاف أن “فصل الصيف يُمثل فرصة لاستئناف الحوار على كل المستويات للتوصل إلى توافقات بشأن الخيارات السياسية والاجتماعية والثقافية واعتبار ألاّ بديل عن التوافق من أجل حماية التجربة الديمقراطية الفتية بعيدا عن القطيعة والاستقطاب”.

خالد عبيد: لقاء الحمامات خُصص لوضع تفاهمات بين الشيخين للحسم في القضايا العالقة
خالد عبيد: لقاء الحمامات خُصص لوضع تفاهمات بين الشيخين للحسم في القضايا العالقة

وبحسب بيان حركة النهضة الإسلامية، فإن الرئيس السبسي، دعا خلال هذا اللقاء إلى “وجوب أن تتحمّل كل الأطراف مسؤولياتها في معالجة الأوضاع الاقتصادية الصعبة”. وساهمت ضبابية البيان التي عكستها عباراته الفضفاضة التي تبقى حمّالة أوجه عديدة، في إثارة العديد من التساؤلات، خاصة وأن لقاء السبسي-الغنوشي في هذا التوقيت بالذات، يُعد تحولا في العلاقة بين الشيخين، بالنظر إلى الحديث المُتزايد حول وجود أزمة صامتة بينهما على خلفية الأزمة السياسية المرتبطة ببقاء أو رحيل الحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد.

وبقدر ما ساهم اللقاء في نفي ما راج من أنباء حول وجود أزمة صامتة فإنه دفع أيضا بشكوك جديدة حول حقيقة الخلافات بين الشيخين، وما إذا كان ذلك مُجرد تقاسم للأدوار في سياق حسابات مُشتركة لها صلة بترتيبات المرحلة القادمة.

وتتسع هذه الشكوك التي بدأت تتسلل إلى الفاعلين السياسيين، خاصة وأنها تستمد وجاهتها من المُمارسة السياسية للرئيس السبسي الذي كان فاجأ المقربين منه ومختلف الأوساط السياسية باجتماعه الشهير مع الغنوشي في باريس في أغسطس من العام 2013 الذي أسس لما بات يُعرف في تونس بالتوافق بين حركتي نداء تونس والنهضة الإسلامية.

ويرى مراقبون أن هذا اللقاء الذي يأتي بعد أسابيع من شبه قطيعة سياسية بين الشيخين، اللذين لم يلتقيا منذ تعليق اجتماعات المعنيين بوثيقة قرطاج 2 في نهاية شهر مايو الماضي، لا يُعيد إلى الأذهان اجتماع باريس فقط، وإنما يُلقي أيضا بمخاوف جديدة لدى البعض من الفاعلين السياسيين.

وتتمثل هذه المخاوف في إمكانية وقف الجهود المبذولة لإنهاء التوافق الذي يُوصف بـ”المغشوش”، والحيلولة دون تشكل جبهة سياسية عريضة لمواجهة تغول حركة النهضة الإسلامية، وتمددها في مختلف مفاصل الدولة والبلاد.

وبرزت خلال الأيام القليلة الماضية، تحركات سياسية لافتة لتشكيل جبهة سياسية جديدة لإعادة التوازن في البلاد، وبالتالي التصدي لهيمنة حركة النهضة على المشهد السياسي وعلى مفاصل مراكز القرار.

لكن تلك الجهود مازالت تُراوح مكانها بالنظر إلى تشتت القوى الوطنية الديمقراطية، وانقسامها على وقع تعدد الحسابات السياسية التي يغلب عليها الطابع الخلافي الحاد.

ويبدو أن هذه الأجواء التي سبقت لقاء الشيخين في الحمامات، كانت حاضرة في هذا اللقاء، دون أن تُخفي الهواجس التي يُثيرها موقف حركة النهضة في هذا الوقت الذي تتبدل فيه الاصطفافات السياسية وفق حساباتها ومخططاتها، الأمر الذي جعل القراءات السياسية لأبعاد اللقاء تتناقض ومسارات المشهد السياسي العام.

ومع ذلك، برزت قراءة تنحو باتجاه الحديث عن حدود تفاؤل حذر لا يخلو من الإثارة السياسية. وقال المحلل السياسي خالد عبيد لـ”العرب”، إن هذا اللقاء لا يخرج عن إطار تجاذبات العلاقة بين الشيخين وحدود التفاهمات بينهما بما يُبدد الضبابية التي تلف حاليا المشهد السياسي في البلاد، لجهة الحسم في القضايا العالقة بعيدا عن الحسابات الضيقة.

واعتبر أن لقاء الحمامات يندرج في سياق المشاورات المُعلنة وغير المُعلنة التي يُجريها الرئيس السبسي بهدف ترتيب فترة مع بعد رحيل رئيس الحكومة يوسف الشاهد، أكثر منها إنهاء بقاء الشاهد رئيسا للحكومة.

ولم يستبعد أن يكون الرئيس السبسي قد أبلغ الغنوشي بأنه شرع في اتخاذ الإجراءات المناسبة للفترة القادمة، باعتبار أن رحيل الشاهد أصبح مسألة وقت لا أكثر، لافتا في نفس الوقت إلى أنه “يُفهم من وراء سطور بيان حركة النهضة الإسلامية أن الغنوشي قرر التخلي عن الشاهد إثر هذا اللقاء”.

ومع ذلك، يُنتظر أن يتواصل الجدل، وستزداد التكهنات ما لم تخرج الرئاسة التونسية عن صمتها لتُوضح ما تم خلال هذا اللقاء الذي لا شك أنه ساهم في تغيير قواعد الاشتباك السياسي في ظل عملية خلط لأوراق باتجاه رسم معادلات جديدة لا ولن تشبه أبدا تلك السائدة حاليا.

4