لقاء سريع مع مشروع متطرف

الجمعة 2015/07/31

خرجت من منزلي عشية متوجها إلى لقاء، شبه ثابت، مع بعض الأصدقاء. عادة ما نجلس لتبادل النكات وبعض الأفكار والتعليقات المضحكة على أحداث وأشخاص نرى أنهم يؤثثون حياتنا بكل تلاوينها. نرتشف كؤوس الشاي والقهوة مرفوقة بسجائر متفاوتة الثمن والجودة.. والضرر طبعا.

لم أقطع سوى بضع خطوات من البيت حتى أحسست بخطوات متسارعة صاحبها متلهف للقبض علي قبل أن ألوذ بالفرار. قبض علي وهو يلهث، وبادرني بكلمات مقتضبة وبصوت مرتجف وعينين تلتفتان يمنة ويسرة. هيا معي لنذكر الله.

لم أدقق في السبب الذي جعله يتجه نحوي ويبادرني بطلبه. لكنني ركزت على محتوى الطلب وطريقة مبادرته.

قال جملته المقدسة، وكأنه دفع بكتيبة عسكرية نحو معركة محسومة النتائج. كان ينتظر مني ردا يوائم طلبه الذي يعتبره مقدسا لا يُرد، ولا يمكن أن يُناقَش، ولا يمكنني، بالنتيجة، إلا أن أستجيب له مذعنا مستسلما. كان يعتقد أنه بحشره اسم الجلالة في جملته الطلب فهذا سيشل حركتي وعقلي وإرادتي.

لم أتوقف عن المسير ولم يتراجع هو عن طلبه، بدا متمسكا به بعناد متطرف، ورجله لا تفارق خطواتي. تمعنت فيه جيدا فبدا شابا صغيرا بلحية خفيفة ولباس بسيط، ويبدو للناظر وكأنه مخدر. أعاد الطلب موضحا أنه يذكر الله مع بعض الإخوة في أحد الأمكنة.

حسبته غرا في القنص ومبتدئا في الصيد. ولا يصلح لا للدعوة الدينية أو الدنيوية.

قلت له يا عزيزي ذكر الله لا يختص بمكان وزمان معينين. فالله موجود في كل زمان ومكان، وذكرته بالآية الكريمة “وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ”، أردفت أن الله يسمعنا ويرانا حتى ولو لم نذهب إلى المكان الذي يجلس فيه مع إخوانه.

وقلت له أن الذكر ليس كلمات تنطق ببغائيا، ولا هو أعداد تتكرر بلا معنى، بل هو إيمان وعمل في آن.

فبادرني بالآية القرآنية “وَلاَ تُلْقُواْ بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ”. قلت له أكمل الآية “وَأَحْسِنُوَاْ إِنَّ اللّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِين”.

كيف تتم برمجة مثل هؤلاء الشباب وممن وكيف؟ هي أسئلة تحتاج إلى علماء دين ومختصين في علم النفس وعلوم التربية وخبراء في علم الاجتماع

وأُذَكِّرُكَ بأنه لا علاقة بين الآيتين والسياقين. فأنت بصدد استدراجي إلى القبول بعرضك، لكنك تحسب أنك على صواب مطلق وأنا على النقيض من ذلك. وهذا لا يستقيم مع الدعوة إلى الله، التي تتطلب الإتقان والإحسان، وأنت تحيد عن المبدأ الأساسي لأي دعوة سليمة وسلمية ألا وهي حرية الاختيار.

ثانيا كيف تحكم بأنه لا يجب ذكر الله إلا في الأماكن الخالية والجلسات السرية. فالخلوة التي تكون سببا في التأمل في خلق الله ومخلوقاته، تستوجب شروطا عدة منها العلم والحكمة والشجاعة. حتى لا تستحيل تلك الخلوة إلى كارثة نفسية على منتهجها والمجتمع قاطبة.

قال أنا لم أطلب منك الذهاب إلى الحانة أو إلى لعب القمار، بل دعوتك إلى الجنة والى الطريق المستقيم.

قلت له؛ وهل أبدو لك أنني في حاجة إلى جاهل بالطريق ليدلني إليه. فمقدمة خاطئة كهذه تؤدي إلى نتيجة كارثية. فجهلك بالدين وبالطرق العلمية والعملية التي تقنع بها من تدعوه إليه، يبعدك عما تدعو إليه سنوات ضوئية.

وبدل أن تكون أحد الداعين إليه إيمانا وعلما، تصبح أحد الذباحين لمنتسبيه ومعولا يهدم صوامعه ومساجده.

كنا قد قطعنا نصف الشارع طولا، فجأة قفز إلى الجهة الأخرى وذهب دون استئذان كما انقض علي قبل قليل دون إفشائـه السلام.

تساءلت وأنا في طريقي إلى الاجتماع غير السري مع الأصدقاء، كيف تتم برمجة مثل هؤلاء وممن وكيف؟ أسئلة تحتاج إلى علماء دين وخبراء في علم النفس والتربية وعلماء اجتماع.

من الواضح أن سن ذلك الشاب وهيأته وطريقته في الكلام والرد، توحي بأنه ضحية لخطاب ديني متشنج ومتعصب. ولا أستبعد سذاجته الواضحة المبنية على جهل مدقع بمبادئ الإسلام المعتدل السمح الوسطي. ناهيك عن ثقافة دينية ضحلة تقوم على تفسيرات ذاتية للنصوص أكثر هزالة وسطحية.

مثل هذا الشاب هو ضحية خطاب ديني ملغوم ومغلف بأيديولوجية متطرفة ومنغلقة وحدية لا تقبل أنصاف الحلول، ولا تعترف بمقاصد الشريعة، ولا تتماهى مع المصالح المرسلة، ولا تتماشى مع ظروف متغيرة تتطلب اجتهادات مبتكرة ليس في الثوابت، وإنما في ما يحتاجه الإنسان المعاصر في حياته اليومية، تماشيا مع الروح الحقيقية للدين.

وصلت المقهى ورأسي يكاد ينفجر من كثرة الأسئلة وعجز عن الأجوبة. لم يسعفني سوى فنجان قهوة ونكتة من أحدهم، نتجت عنها ضحكة مدوية أذابت ما علق بذهني من توتر.

حكيت ما جرى وكأنه نكتة سمجة لا تضحك. فعلق صديقي، قائلا ما تعانيه مجتمعاتنا العربية والإسلامية هو أن أغلب من يتصدون للدعوة بهذا الشكل الفج يعانون من عزلة عن المجتمع، ولديهم آراء مسطحة ونمطية عن كل من لا يشاركهم دروسهم وأفكارهم.

وأضاف آخر بعد أن خفتت حدة الضحك من آثار النكتة، أن ما يدور بين أشباه ذلك الشاب الذي هجم عليك ليقنعك بمنهجه، نفس الأفكار والرؤى والثقافة دون انفتاح على ثقافات وأفكار ورؤى مغايرة ما يجعلهم يعيشون على هامش التطور الذي يعرفه العالم والناس.

وقـال آخر إن الإسـلام ديـن عظيم، لكن مثل هؤلاء الشباب ومبرمجيهم، هم من يحـرف رسـالته بتطرفهم وعنجهيتهم وغلوهم وادعائهم امتلاك الحقيقة المطلقة. وهم بهذه الطريقة التي يتفاعلون بها مع المجتمع ومع الناس ومع النصوص، يقـدمون خدمة مجانية لكل من يريد اختراق الأمة من شرقها إلى غربها.

كاتب مغربي

9