لقاء موسكو والحل السياسي دولي

الجمعة 2015/04/10

عُقد اللقاء الثاني لبعض ممثلي المعارضة السورية في موسكو، وأكدت المعارضة فيه ضرورة العودة إلى جنيف مجددا والتذكير بمطالب السوريين في الأشهر الأولى للثورة، وقد رفض ممثل النظام بشار الجعفري استلام ورقة قدمها سمير العطية تخص أسماء معتقلين لا يتجاوز عددهم تسعة ألاف بينما المعتقلين تجاوزوا الربع مليون سوري. إذا لا قيمة لهذا اللقاء؛ فلا جديد يخص الحل السياسي أو حل القضايا الإنسانية كمشكلة المحاصرين أو المعتقلين أو اللاجئين وعودتهم. ولا شك سيسأل أي عاقل ما جدوى لقاء يتكرر مرتين ولا جديد فيه يخص السوريين!

الجديد هو تكرار الاستجابة للراعي الروسي، والذي لم يكلّ ولم يملّ باحثا طيلة أربع سنوات عن شريك سياسي وازن يقرّ له ضرورة بقاء النظام مع تعديلات لا تلبي مطالب الثورة بل مطالب إعادة إنتاجه بواسطة تمثيل منخفض جدا للمعارضة.

هذا الراعي للمجزرة والدمار في سوريا تكمن مشكلته الحقيقية في ضعف المعارضة التي تشارك باللقاء ومحدودية تمثليها، سيما أن الائتلاف الوطني قد رفض الذهاب إلى اللقاء، وكثير من القوى الأخرى وغياب كامل للفصائل العسكرية، وهذا ما يمنع موسكو من “اجتراح” مغامرة فاشلة عبر هذه المعارضة والدعوة إلى تشكيل حكومة جديدة؛ سيقول عنها الجميع؛ موالاة ومعارضة: إنها حكومة النظام ذاته.

الوضع السوري لم يعد سوريا؛ هذا ما يجب على كل تشكيلات المعارضة الانطلاق منه. وبالتالي أي حل سياسي أو اتفاق يخص القضايا الإنسانية يتطلب توافقا بين السعودية وإيران وأميركا وروسيا، وبغياب هذا التوافق فإن كل لقاءات المعارضة السورية وبرعاية إحدى الدول سيفشل لامحالة، وليس فقط المنعقد في موسكو.

الوضع السوري لم يعد سوريا، هذا ما يجب على كل تشكيلات المعارضة الانطلاق منه لحل الأزمة

يشكل استمرار الخلاف بين الدول الإقليمية والدولية بخصوص سوريا مانعا للتفكير في أي حلّ في الأمد القريب. وبذلك يترك للمعارضة فقط القيام بأعمالها المعتادة كالإغاثة والتعليم وتأمين حاجات المواطنين في الداخل والخارج وإصدار بيانات تخص الوضع الميداني والسياسي العام. ولكن إفلاسها المستمر وطيلة أربع سنوات، يدفع السوريين للبحث عن أشكال جديدة للمعارضة السورية، والتخلص من الأشكال القديمة، والتي لم تعد قادرة على إدارة ملف الثورة داخليا وخارجيا، وفقدت تياراتها الرئيسية كالمجلس الوطني وهيئة التنسيق والائتلاف الوطني أي مصداقية لدى الشعب الثائر.

الخلاف الإقليمي، والتباعد الدولي، ربما سيتغير بسبب التدخل في اليمن، وكذلك بسبب الاتفاق النووي مع إيران الذي وقع بشكل أولي، حيث ستشكل هذه العناصر عوامل ضغط لإيقاف الدعم الإيراني للأنظمة في سوريا والعراق وللحوثيين وستضغط على السياسة الأميركية الفاشلة في المنطقة، والتي أوصلتها إلى حروب دينية ما تنفك تستعر بشكل واسع.

وقد يؤدي استمرارها إلى انهيار المنطقة بأكملها، حيث الحروب في العراق وسوريا واليمن تتخذ شكلا طائفيا وإقليميا؛ نقول ربما هذا يدفع نحو الحل السياسي في كافة هذه الدول. سوى ذلك لا شيء في الأفق بخصوص سوريا.

الحرب ضد داعش، والتي اعتبرت المدخل نحو الحل السياسي في العراق أولا وسوريا ثانيا، تبدو من أجل ترتيب شؤون المنطقة الإقليمية وليس للخلاص منها والبدء بالحل السياسي.

وجبهة النصرة توسعت كثيرا ولا سيما بعد الاستيلاء على مدينة إدلب، وربما تخرج مدينة درعا عن سيطرة النظام أيضا؛ ولكن كل ذلك لن يساوي الذهاب نحو حل سياسي أو البدء فيه؛ فقد حدث ما يشبه هذه التطورات من قبل كما الحال بعد مجازر الكيماوي 21-8-2013، ولم يطرح الحل السياسي وفق اتفاق جنيف أو ما يماثله.

هناك إجماع عند أغلبية المحللين أن الشأن السوري أصبح بيد غير السوريين، وما يضع الحل بعلم الغيب هي الخلافات الإقليمية والدولية وبشكل خاص اللامبالاة الأميركية في المنطقة، ورغبتها في تصعيد التوتر الإقليمي وعقد صفقات سلاح جديدة؛ والسماح بحروب طائفية ومتابعتها بشكل يبقيها ولكن يمنع دخول المنطقة بحرب شاملة.

الحديث عن حرب إقليمية كما تنشر الصحف، أظنه تضخيم مبالغ فيه، فالحرب الإقليمية لو كانت ستقع لما تأخرت إلى هذا الوقت؛ والتدخل العربي في اليمن كان رسالة ردع لإيران، وربما يكون هناك شيء مشابه في سوريا عبر تركيا أو عبر الحلف العربي ذاته؛ ولكنها لن تكون حربا إقليمية فكل دول المنطقة لا تحتملها، ماليا واجتماعيا ومن كافة النواحي؛ فسوريا تدمر قرية قرية ومدينة مدنية “زنقة زنقة”، ولا يعقل أن يسمح بذلك في دولها بسبب المشكلة السورية.

نخلص إلى القول إن اللقاءات الدولية دون رعاية إقليمية ودولية روسية وأميركية تخدم فقط الدولة المضيفة ومصالحها؛ الحل الوحيد في سوريا هو الذي ينطلق من اتفاق جنيف بصيغته الأخيرة، وبغياب كل ذلك فإن التدمير والمجازر سيستمران، وستتعاظم الجهادية أيضا.

12