لقائي بصانع السلام مانديلا

الأحد 2013/12/15

قبل سنوات كان لي شرف لقاء صانع السلام نيلسون مانديلا في الإمارات وتحديدا في إمارة الشارقة. كان يوم جمعة، اليوم المقدس لي والذي نادراً ما أقوم فيه بأية نشاطات غير القراءة وبعض التأمل عندما هاتفني أحد المسؤولين في أحدى الصحف المحلية والتي كنت أكتب فيها آنذاك، وذكر لي أن هناك لقاء إن كنت أرغب في حضوره، وعلى الفور اعتذرت منه وأغلقت الهاتف، لكن شيئا ما جعلني أهاتفه بعد عشر دقائق وسألته عن مناسبة اللقاء ومن هم الحضور، بدأ بأسماء الحضور والذين معظمهم لا أحبذ قضاء أية أوقات لا فكرية ولا اجتماعية معهم، حتى أذكر أنني علقت قائلة “مرة أخرى مثقفين ومتثاقفين”، فضحك وقال إنني لو علمت عن ضيف الشرف سوف أغير رأيي وأحضر اللقاء، وعندما ذكر أن اللقاء مع نيلسون مانديلا، في بادئ الأمر اعتقدت أنه يمزح لكن عندما تأكدت من ذلك وافقت على الحضور. كان اللقاء الساعة الثالثة ظهرا. وقبل أن أتوجه إلى اللقاء ذهبت إلى مكتبي وجلست أبحث عن مقالة كنت كتبتها عن مانديلا وقد عنونتها “صانع السلام”.

كتبت ذلك المقال خلال إحدى زياراتي إلى الولايات المتحدة الأميركية في ديسمبر 2000 عندما شاهدت مقابلة تلفزيونية في برنامج “أوبرا” مع القائد العظيم نيلسون مانديلا. على الرغم من كبر سنه آنذاك إلا أن حيويته أبهرتني وكانت تقاطيع وجهه تقول الكثير عن المعاناة التي مر بها وتوحي بالكثير عن هدوئه وحكمته. سبعة وعشرون عاما في السجن لم تخرجه متمردا أو حاقدا بل حكيماً وقائدا. كان يعمل من وراء القضبان على تحويل الجوانب السلبية في حياته وفي بلده إلى الأفضل. وعندما سألته أوبرا عن الطريقة التي جعل بها حارسه الأبيض العنصري يعامله باحترام قال: “الإنسان يكسب احترام الناس له عندما يدخل أي مكان بثقة واحترام، حتى عندما يدخل السجن”، وعندما سُئل عن كيف يصنع السلام في المجتمع، ذكر عنصرين أساسيين:

* أن يكون الإنسان صادق مع نفسه، فهو لن يستطيع أن يؤثر على المجتمع إذا لم يكن صادقا مع نفسه لدرجة تغيير نفسه إلى الأفضل.

* أن يجعل الآخرين يدركون أنه لا يشكل خطرا عليهم، لأنهم عندما يشعرون بالأمان يبدؤون بتقديره ويستمعون إليه.

بعد أن وجدت المقال في مكتبي أخذت النسخة الأصلية منه وتوجهت إلى اللقاء. عندما تكون في حضرة وجود رمز مثل نيلسون مانديلا لا تعرف ماذا تقول أو كيف تتصرف، كل الأمور تبدو صعبة ومعقدة، ولا يمكن لأي شخص أن يصف مشاعره تلك اللحظة أنت فقط تشعر بحضوره وعظمته. ما إن بدأ مانديلا في الحديث في تلك القاعة الصغيرة إلا وتحولت الأمور الصعبة والمعقدة إلى أشياء بسيطة ومن شدة بساطتها جميلة.

كنت مثل غيري من الحضور نتوقع أن يتحدث مانديلا عن السياسة أو القيادة أو تجربته في السجن، لكنه كان تلقائيا بدأ بتقديم نفسه ثم قدّم أعضاء الفريق الذي يرافقه واحدا تلو الآخر، بعدها تحدث عن سعادته باللقاء بنا نساء ورجالا، ثم أعرب عن ثقته في الجيل الحالي من الشباب في التواصل مع الثقافات الأخرى ونبذ العنف وطلب منا أن نطرح عليه أسئلة وهو يجيب عليها.

لم يكن لديّ ما أسأل في تلك اللحظة إلا المقال الذي في يدي وهو مكتوب باللغة العربية فاعتقدت أنه لن يهمه. طلبت أن أتحدث وعندما سُمح لي،

قلت له: “إنني قد كتبت عنك مقالا بعد أن شاهدت لقاءك مع أوبرا”، لم يسألني عن محتوى ما كتبت بل سألني عن المقال أين يمكن أن يجده، رفعت يدي وقلت: “المقال في هذا الظرف، لكنه باللغة العربية”، فقال: “سوف يقوم فريق الترجمة لديّ بترجمته إلى اللغة الإنكليزية ووضعه مع المقال العربي” وطلب نسخة من المقال فقدمت له النسخة الأصلية. تلك اللحظة كانت مشاعري لا توصف كما هي إلى اليوم عندما أتذكر لقائي به.

بعد اللقاء معه توجهنا إلى تناول القهوة والشاي وكان يتحدث مع الكل هناك إلا أنني ولحسن حظي حظيت بوقت أكثر من غيري، سألني خلالها أسئلة شخصية عني وعن عملي وكانت تعليقاته ظريفة، ثم مسك بيدي واقترب نحوي والتفت إلى الرجال وهمس لي “الآن سوف يغارون لأنني أمسك يدك” وضحك.

وعلى الرغم من قوة حضوره الشخصي وقيادته العظيمة إلا أن نيلسون مانديلا متواضع ويتمتع ببراءة الأطفال، فقد كان يتحدث للجميع بتلقائية وأتذكر أنه كان معنا أحد أبناء الحضور في الثانية عشرة من عمره، وكان مانديلا يحضنه ويداعبه وهو يتحدث معنا.

أتساءل مثلما يتساءل ربما الكثيرون: هل سيلد العالم رموزا إنسانية أخرى تدعو للحب والسلام مثل غاندي والأم تيريزا و زايد بن سلطان ونيلسون مانديلا رحمة الله عليهم؟!

21