لقاح لا بد منه

الأحد 2015/07/05

ليست مصادفة أن يتلقى تنظيم داعش الإرهابي هزيمة في مكان ما من الوطن العربي، وفي ذات الوقت يحقق مفاجآت مأساوية مدويّة في موقع أخرى لا يتوقعها الآخرون. فما إن يتم الإعلان عن هزيمته في جزء من الأراضي التي احتلها حتى يعود الإعلام سريعا للترويج عن احتلاله أجزاء مؤثّرة في مناطق أخرى.

وليست مصادفة أن تعلن العديد من الدول الغربية تصدّيها لداعش بينما القراءات الميدانية تضع المراقبين والمحللين في حالات من التشويش التحليلي حول صدق تلك الدول في ما تعلنه، وحتى الكثير من وسائل الإعلام بدأت بشكل متعمد في الإشارة للتنظيم الإرهابي باسم “دولة الخلافة الإسلامية”، وكأنما الأمر صار واقعا يجب الركون له والتعاطي معه، وكأنما التنظيم بأفعاله على الأرض يمثّل دولة للخلافة الإسلامية!

الأخطر في الأمر أن هذا التنظيم الإرهابي بدأ في نقل معاركه إلى المناطق الأكثر أمنا في الوطن العربي، فاستراتيجية تفجير المساجد في السعودية وتفجير مسجد الإمام الصادق بالكويت، وما تردد عن تحركات التنظيم في عدد من دول الخليج يدل دلالة واضحة على أن التنظيم الإرهابي يسعى لتخفيف ضغط التحالف العربي على الحوثيين في اليمن، بالرغم من أنه في الظاهر يستهدف فصائل ليست سنية، غير أن متوالية الأحداث الداعشية عند قراءتها بتروّ تفاجئنا بأن المواجهة بين تنظيم داعش الإرهابي والتنظيمات غير السنية التابعة لإيران لا تستهدف الجيوش بقدر ما تستهدف الآمنين بطرق تسعى لإيجاد مبررات لتقاسم المواقع بين داعش وإيران عبر أذرعها المختلفة.

ومن الملاحظ أيضا بأن تنظيم داعش الإرهابي بدأ ينشط بصورة أكبر بعدما بدأت المحادثات النووية بين إيران والغرب، وهو أمر يدعو للحيرة والتّعجب، فقبل بداية المحادثات النووية الإيرانية مع الغرب ما كان للتنظيم هذه القوة التي يتحرك بها بعد بداية المفاوضات، وإعلان الغرب عن مواجهته لداعش لم يزامنه إعلان مقنع عن مواجهته لإيران وفصائلها باستثناء الإدانات الخجولة التي مسّت بعض الأفراد في تلك المجموعات وتحاشت إدانة المجموعات رغم أفعالها الإرهابية الواضحة والتي لم تتورع عن نشرها بنفسها في مختلف وسائل التواصل الاجتماعي.

وبالرغم من أن التنظيم الإرهابي هدّد بابتلاع قطاع غزّة، إلا أن غزّة تحوّلت بقدرة قادر إلى سيناء المصرية التي حدثت بها المجزرة المروعة التي ستشكل دون شك فاصلا في تاريخ مواجهة الإرهاب، فمقتل النائب العام في مصر، وما تلاه من أحداث لا يمكن بأيّ حال أن يتم إدراجه في قوائم المصادفات، ولا يمكن لتنظيم داعش أن يتحرك في تلك المناطق بتلك الطريقة التي هاجم بها الجنود المصريين دون عون لوجستي كبير من بعض الفصائل الفلسطينية الحاكمة وغير الحاكمة في قطاع غزة.

ودون شك تندرج أحداث مصر الإرهابية التي ارتكبها تنظيم داعش في إطار التنسيق بينه وبين تنظيم الإخوان المتأسلمين، خاصة وأن ارتفاع وتيرة المواجهات في مصر بدأت بعد إصرار القضاء والشعب المصري على التّخلص من تنظيم الإخوان، وقرار العدالة المصرية بإعدام مجموعة من قادته على رأسهم مرسي وبديع.

بعض أجهزة الاستخبارات الدولية، وتنظيم الإخوان المنهزم في مختلف أرجاء المنطقة العربية، وإيران الساعية لتمديد الصفوية بمختلف الوسائل، إضافة لتنظيم داعش الإرهابي وما فرّخه من مسميات مختلفة، أعمدة رباعية لا يمكن قراءة الأحداث دون الربط الواضح بينها رغم إعلان العداوة والمواجهة في الظاهر، فتفجير مساجد الشيعة في مختلف المناطق لا يعفي الصفويين من المسؤولية، لأن التّفجير يُقصد منه دائماً إيجاد مبررات التدخل، وإبعاد التهمة عن الفاعل، وإيجاد ذرائع لشق الصفوف الداخلية للدول المستهدفة لتسهيل عملية التّمكّن منها، فمختلف الدول التي حدثت فيها تفجيرات للمساجد، تعيش حالة سلام ذاتي بين مختلف طوائف المسلمين، ومخطط الجهات الأربعة يهدف بالأساس لخلق الفتنة الطائفية والمذهبية التي تجعل كل مجتمع يأكل بعضه بعضا مما يجعل اختراقه والسيطرة عليه وعلى دولته أقلّ سهولة.

وليس هناك مجتمع في مأمن من العبث الداعشي المسنود من إيران وأجهزة الاستخبارات وفصائل الإخوان، فالإرهاب ليس له وطن أو جواز سفر أو عنوان، ووسائل التواصل الاجتماعي غدت من أخطر النوافذ التي يصل الإرهاب منها لمختلف المجتمعات، ولا بد من تقنين القوانين الخاصة بالتعاطي مع هذه الوسائل لحماية المجتمعات التي لازالت آمنة، فتسرّب هذا العدد الكبير من المقاتلين الإرهابيين إلى سيناء المصرية وتفجيرات تونس وما يحدث في ليبيا وتفجير مساجد السعودية ومسجد الإمام الصادق بالكويت وما يحدث بسوريا والعراق ولبنان والبحرين، وما يحدث من محاولات فاشلة لجرجرة الأردن وغيرها من الدول التي لا زالت تعيش حالة الأمان، وزحف الشباب العربي والأوروبي المراهق إلى مقار التنظيم في هجرة لا تختلف عن هجرات قوارب الموت التي يقوم بها الكثيرون من ضحايا العبث الإرهابي في المنطقة، وكون أن الاستخبارات الغربية بكامل خبرتها وعتادها ووسائلها لا تتمكن من اكتشاف أولئك المهاجرين من أبنائها لداعش إلا بعد وصولهم، كلها أمور تدعو للتّعجب والاستغراب والحيرة، فالإحصائيات التي ترددت عن عدد المراهقين الغربيين الذين انضموا لصفوف داعش، تؤكّد أن الأمر لا يمكن له أن يكتمل من وراء أعين الأجهزة الاستخباراتية التي تستطيع رصد دبيب النملة بفضل ما يتوفر لها من تقنيات ووسائل، وعبور المراهقين الأوروبيين كل تلك المسافات حتى الوصول لداعش عبر البوابات التركية لا يمكن أن يكون مصادفة.

تكثيف التوعية الداخلية للمجتمعات التي عافاها الله من التلوّث الداعشي واجب لا بد من القيام به، فداعش يستغل غياب برامج التوعية الفعالة، ويغرر من خلال وسائل التواصل الاجتماعي بمراهقين لم يأخذوا التحصينات واللقاحات التوعوية الكافية ضد أطروحات التنظيم المغلوطة، ولا بد من أن تدرك المجتمعات بأن محاربة داعش هي محاربة فكر مغلوط قبل أن تكون مواجهة جيوش، وأن التوعية المدروسة تمثّل أفتك الأسلحة التي ستقضي على هذا النبت الشيطاني الذي تمت صناعته ودعمه لإعادة تقسيم المنطقة.

كاتب من الإمارات

5