لقد انحرفت الثورة السورية.. خير إن شاء الله

الجمعة 2013/09/20

ينظر بعض المراقبين، كما ينظر بعض السوريين العاديين، إلى مآل الثورة السورية وما انتهت إليه من أوضاع وظواهر، نظرة سلبية تشكك في إمكانية استمرارها، بل هناك من ينعى الثورة، ويقرأ على روحها الطاهرة ما تيسّر من الذكر الحكيم. ويستدل على ذلك بما تمخضت عنه من عمل مسلح محض يُوصم بالعشوائية والفوضى وغياب قيادة مركزية تحدد تكتيكه وإستراتيجيته. وأيضا كون قوام هذا العمل المسلح مجموعات مقاتلة، منها مجموعات أقرب إلى قطاع الطرق واللصوص منها إلى الثورة والثوار.

كما أن مجموعات أخرى تجاهر بخطاب يتناقض ومبادئ وأهداف الثورة، بل إن بعضها يقوم عمله على تخزين السلاح والاستعداد للحظة سقوط نظام الأسد للتدخل وفرض نموذج للدول والمجتمع مستمد من خلفيات أيديولوجية معينة لا تؤمن بمفهومات مثل الديمقراطية وحق الشعب إلى غير ذلك من استدلالات لا يخلو عدد غير قليل منها من قدر من الواقعية والصدقية.

من حق الجميع أن يشعر بالتخوّف، بل وبالإحباط أيضاً من قسوة المرحلة الحالية، فالأوضاع الراهنة أكثر من سيئة، لكن هل يصح للتفكير المنطقي السليم أن يُخرج منها نتائج كالحكم بنهاية الثورة أو انحرافها النهائي؟

بداية نرى ضرورة توضيح تهافت بعض المقدمات، ومنها الحكم بأن الثورة قد انحسرت فقط في العمل المسلح، وهو قول يناقض نفسه بنفسه. فالعمل المسلح يحتاج من أجل استمراره إلى جملة أعمال مدنية من طبية وإغاثية وإعلامية وغيرها، مما يشكل دعماً حيوياً لازماً لأي عمل مسلح. أما على أرض الواقع وبحسب ما يرصده المراقب في المناطق السورية الكثيرة الثائرة والخارجة عن سيطرة النظام، فكما تُلاحظ بسهولة ويسر عناصر الكتائب المسلحة، تُلاحظ بسهولة أكبر المشافي الميدانية الكثيرة والتي لا تهدأ، المكاتب الإعلامية، مراكز الخدمات المدنية من مخابز وأفران ومخازن توزيع المعونات الغذائية، وورشات صيانة لتوفير المياه والكهرباء، وغيرها من نشاطات يقوم بها ثوار لا يمكن للثورة الاستمرار من دونها.

كل ما في الأمر أن الإعلام الخارجي، كما إعلام الثورة بدرجة أقل، ما زال مأخوذاَ بالجانب العسكري وبضراوة معاركه فلا يتعرض إلى تلك الجوانب الأخرى الكثيرة إلا لماماً.

إلى مدى يمكننا أن نذهب في دلالات شيوع ظواهر الانحراف؟ أولاً لنطرح السؤال التالي: ما العلاقة بين الثورة والفوضى؟ ولعلنا نجد جواباً أقرب إلى الموضوعية والدقة في مقاربة سريعة لمآلات الثورات في التاريخ.

في عام 1789 هاجمت جماهير باريس سجن الباستيل، لتشكل تلك اللحظة اندلاع الثورة الفرنسية التي طالبت بالعدالة والمساواة، ورفعت مبادئ حقوق الإنسان إلى مرتبة التقديس.

وفي مسعاها للوصول إلى نظام سياسي جمهوري حديث، أسقطت الثورة حكم آل البوربون الملكي الوراثي وأعدمت الملك لويس السادس عشر والملكة ماري أنطوانيت، مع أعداد غفيرة من النبلاء الذين شكلوا لقرون أركان وركائز نظام الحكم الفرنسي، لكن الثورة ظلت لمدة عشرة سنوات وهي تتخبط بالفوضى وتصطلي بالاضطرابات. حتى كبار رجالات الثورة لم ينجوا من المقصلة. فدانتون أعدم كثيراً من رفاقه، ثم أعدمه روبسبير الذي أعدمته الثورة بدوره. وما أن حل عام 1796 حتى صار للغوغاء، وهم المجرمون والمنحرفون في الأصل قبل التحاقهم بالثورة، نفوذاً كبيراً.

في تلك الأثناء كان الجيش يطلّ برأسه بهدوء. فلما تشكّل نظام للحكم يقوم على أساس توزيع السلطة بين قناصل ثلاثة- وهو نظام روماني قديم كان يستبدل بالنظام الجمهوري في فترات الحروب والأزمات- كان الضابط نابليون بونابرت أحدهم. وفي تشابه بليغ مع ما فعله القنصل الروماني يوليوس قيصر من تنصيب نفسه إمبراطوراً في القرن الأول قبل الميلاد، ألغى بونابرت نظام القناصل ونصّب نفسه إمبراطوراً لكل فرنسا، أكثر من خمس عشرة سنة من العمل والتضحيات قدمها الشعب الفرنسي وعانى الويلات في سبيل تحقيق أهداف الثورة انتهت إلى استبدال الإمبراطورية بالملكية، فهل انتهت الثورة الفرنسية؟

لم تستطع الإمبراطورية أن تحكم البلاد بأسلوب الحكم المطلق نفسه الذي كانت تعتمده الملكية. فقد كانت مضطرة لتبني بعض أفكار الثورة وإعلان الحقوق الذي أطلقته. حتى إذا سقطت الإمبراطورية بعد معركة واترلو 1815، وعاد ملوك آل البوربون بقوة جيوش أوروبا المتحالفة ليحكموا فرنسا، لم يستطع هؤلاء أيضاً إلا أن يتبنوا قدراً من أطروحات الثورة التي وإن هُزمت عسكرياً فإنها قد غيرت الأوضاع إلى الأبد، وأصبح التحقيق الكامل لكل أهدافها ضرورة تاريخية لها مقوماتها الاجتماعية والسياسية والاقتصادية الداخلية والدولية.

وسط الفوضى والدمار التي عاشتهما فرنسا، التي انفلت فيها المنحرفون والمجرمون وغوغاء القاع في المجتمع وتسلقوا الثورة واستغلوا أفكارها، كان الانتصار التام مسألة وقت ولو سيكون طويلاً. فبعد سنوات سقطت الملكية مجدداً، وظهرت الجمهورية الثانية بينما كانت أفكار الثورة تتسرب بقوة إلى ممالك وإمبراطوريات أوروبا التي لم توفر جهداً في القضاء عليها، فتبنى أكثرها إعلان الحقوق الإنسانية وأخذت تضع على ضوئها دساتيرها الحديثة، ومع شيوع الثورات التي قام بها كادحو أوروبا الذين رأوا أن مكاسب الثورة قد مضت إلى حساب البرجوازية، سقطت الجمهورية الثانية، وعادت الإمبراطورية في شخص الإمبراطور نابليون الثالث حتى سقوطه بعد هزيمة 1870 واجتياح ألمانيا «البسماركية» لفرنسا التي عاد إليها النظام الجمهوري.

هذه هي الثورة، لا تؤتي أكلها إلا بعد حين، ولا ينضج ما تعد به إلا بعد لهيب قد يأتي على الأخضر واليابس. في الثورة الفرنسية امتد اكتمال أهدافها لأكثر من ثمانين سنة، عاشت خلالها البلاد ألواناً من أهوال الفوضى والخراب والعنف، ومن انطلاق يد الجريمة، وظهور أفكار متطرفة ورجعية ودعوات مناطقية وإقليمية هددت وحدة التراب الفرنسي.

وفي الحرب الأهلية الأميركية 1860، التي أخذت شكل الثورة في وجه تصدع الاتحاد الأميركي وتشظيه إلى كيانات مستقلة، شاعت الجريمة والانحراف واشتدت الأعمال العنصرية العدائية العنيفة ضد السود والملونين. وفي الثورة البلشفية 1917 لاقى ملايين البشر حتفهم في فترة الفوضى، التي لابد لكل ثورة من المرور بها، لكن في نهاية المطاف، وبصرف النظر عن أية خلفيات أيديولوجية لا يمكن لمراقب موضوعي إلا أن يعترف أن الثورة البلشفية نجحت، بعد ويلات، في نقل روسيا الزراعية المتخلفة إلى مرتبة القوة العظمى التي استمرت لعقود كثاني قطبي القوة في العالم.

في تلك الثورات، كما في غيرها، كانت الفوضى والجريمة والانحراف ظواهر لا يمكن منع انتشارها تماماً، لاسيما في المراحل الحرجة التي كانت تمرّ بها. وكما أن غرق باخرة لا يعني أبداً الحكم بطلان الملاحة وحظر السفر بحراً، كذلك هي الثورة.. خروج من عنق زجاجة قاتلة، ولادة من المستحيل، اكتواء بلهيب الدمار والخراب والويلات، انهيار للمجتمع والدولة لا يمكن التعافي منه إلا بعد سنوات.. كذلك هي الثورة، الكيّ حيث لم يعد من علاج ناجع غيره. الثورة هي فتح لآفاق انسدت بالكامل في المجتمعات.

لا نعني بكل ما سبق أن أمام سوريا ثمانين سنة. فالظروف العالمية اليوم لا تشبه مثيلتها في القرن الثامن عشر، سرعة التواصل إثر ثورة الاتصالات والمعلوماتية والعولمة وشدة ترابط دول العالم اليوم بعلاقات التأثر والتأثير، كل هذا من شأنه أن يجعل من مدة ثورات اليوم أقل من تلك. لكن أبداً ليس بحساب الأسابيع والشهور ولا حتى بالسنة الواحدة أو الإثنتين كما يتوهم بعضهم بسذاجة. فالثورات في النهاية مخاضات عسيرة لقلب شامل لأوضاع ومفاهيم المجتمع والدولة، ومن السخف أن يتوهم المرء أنها عملية تشبه مشروعاً معمارياً تجارياً أو سياحياً له فترة تنفيذ محددة.


كاتب سوري

9