"لقشة من الدنيا" رسالة الهامش إلى المهمشين

تونس القاع منجم خفي لدراما إنسانية موجعة ومسكوت عنها.
السبت 2018/11/10
وجع ممتع ومدهش

يعود المخرج التونسي نصرالدين السهيلي إلى الإخراج السينمائي بعد شريطين قصيرين “بوتليس” و”الشاق واق”، وفيلم روائي طويل حمل عنوان “مر وصبر”، ليشارك في مسابقة الأفلام الوثائقية الطويلة لأيام قرطاج السينمائية التي تختم السبت، بعمل وثائقي تسجيلي، يزخر بنكهة الرواية وهو “لقشة (قطعة) من الدنيا” أو “سيبيتكس” كما في النسخة الفرنسية لملصق الفيلم.

أمام فيلم “لقشة من الدنيا” للمخرج التونسي نصرالدين السهيلي لا يجد المتابع للمدونة السينمائية العربية نفسه مجبرا على نفض الغبار عن أشرطة تنعش الذاكرة أو تدغدغها في نوع من النوستالجيا الممتزجة بالحسرة على فقدان الدهشة التي كانت تصيبنا، ولو لمرة كل عشرية سينمائية من عمر المهرجانات العربية، وإنما يلفي نفسه متفائلا إلى حد الاحتفاء أمام فيلم يقول بلغة سينمائية فصيحة: نعم، بإمكاننا أن نذهب بعيدا نحو الجرأة والإتقان إلى حد الوجع الممتع والمدهش.. فقط لو حفرنا حيث تقف أقدامنا.

رحلة علاج

"لقشة من الدنيا" قصة صديقين متشردين، في منطقة باب الجديد، بالعاصمة تونس، أحدهما أطرد من إيطاليا، واسمه رزوقة (عبدالرزاق)، والثاني متسول اسمه لطفي (ويدعى فانتا) وكلاهما مدمن “سيبيتكس″ وهو نوع من المخدرات يؤخذ بالحقنة عبر الوريد.

نصرالدين السهيلي: الفيلم في عمقه يتحدث عن حقيقتنا التي لا نرغب في معرفتها
نصرالدين السهيلي: الفيلم في عمقه يتحدث عن حقيقتنا التي لا نرغب في معرفتها

ينجح رزوقة في التخلص من الإدمان ويحاول مساعدة لطفي (فانتا) في التخلص هو الآخر من الإدمان، فيصطحبه إلى الطبيب ويتابع المشاهد رحلة العلاج للتخلص من هذا الأفيون، رغم الظروف المادية الصعبة التي يمرّان بها.

رحلة العلاج تتخللها شجارات بين الصديقين، تجعل رزوقة يتخلى عن لطفي، لكن سرعان ما تعود العلاقة بينهما حين يكتشف الطبيب إصابة لطفي بالتهاب الكبد الفيروسي، وهو ما يجعل رزوقة يقرر مواصلة الرحلة مع صديقه، رغم تكلفة العلاج الباهظة.

هو فيلم تسجيلي امتدت رحلة تصويره قرابة الثلاث سنوات، وبشكل متقطع ومزاجي، كما يقول مخرجه الذي ينام متوسدا آلة تصويره ومحتضنا شغفه برصد العالم السفلي لتونس مع مهمشيه وشخوصه المنغمسين في العتمة والغرابة والإدهاش.

وإذا كان لا بد من “التلخيص الظالم” لعمل سينمائي متميز، فإن قصة هذا الفيلم الوثائقي، وبحسب الانطباع السائد لدى الجمهور العادي والبسيط، هي درس في معاني الصداقة والمحبة والإيثار على النفس، فرغم المأساة التي يمر بها “بطلا” الشريط، يستمران في الإقبال على الحياة، ويلتهمانها بشراهة ومن كل الجوانب مثل تفاحة خضراء شهية.

رزوقة وفانتا يقتحمان حمّاما عموميا في سوق شعبي، وتربط بينهما قصة حب تتجاوز في أبعادها وتشابكاتها ما يعرف اختصارا أو تسطيحا بـ”المثلية الجنسية”، إذ هي علاقة ممزّقة بين الرومانسية والمخدّرات والعنف.

كاميرا مؤنسنة

الكاميرا المحمولة، وإمعانا في الأنسنة ونقل نبض من يحملها ومن تلاحقهم في ذات الوقت، كأنها تدّعي الحياد، ولكنها ليست كذلك.. إنها تنحاز لشيء مبهم ولا يقال.. لعله سر اللحظة الإنسانية التي تنفرد السينما الحقيقية بكشفها.

اكتفى السهيلي بلعب أصعب الأدوار وأكثرها مكرا وخفة، وهو دور اللامبالي، غير المكترث لهول ما يحدث، لكن الكاميرا تفضح إحساسه في لعبة تآمر مدهشة مع المتلقي، بل ومع الذات.

تربط بين رزوقة وفانتا علاقة ممزقّة يختلط فيها الإدمان على المخدّرات بالقسوة البالغة واللطف البالغ، يسمّي فانتا رزوقة بـ”بابا” وبـ”حبيبي”، وتصوّر الكاميرا هذا النهر المتدفق من الأحاسيس في شرفة بيت يطلّ على البحر في قرية استشفائية عن طريق المياه الكبريتية، وهو يحلم، حلم مساء صيف.

ومن مفاجآت التصوير الحيّ أنّ هذا المونولوج الرومانسي صاحبته أصوات وإيقاعات وجلبة ناس يعدّون لعرس في الشارع، كما تنقل الكاميرا بحياد مربك وموجع مشاهد قاسية لرزوقة وهو يعنّف فانتا في الوكالة (بناء آيل للسقوط) التي يسكنان فيها بحيّ باب الجديد الشعبي داخل مدينة تونس العتيقة.

يتوجّع فانتا، يبكي، يثور، يشتم، يستسلم فنتوهّم أنّه الطرف الأضعف في هذه العلاقة المربكة، لكنه ليس كذلك تماما فما يرهقه هو وحدته في غابة من الأوغاد والذئاب البشرية.

تلتقط الكاميرا سطوة حضور رزوقة.. هو سيّد متغطرس في علاقاته مع فانتا ومع الآخرين، يقول رزوقة لفانتا في البيت الذي استأجراه مع صاحبهما المكنى بـ”الناقة” في المحطة الاستشفائيّة بقرية قربص “أنت لا تعرف كيف تطعن شخصا، للقيام بذلك يلزم الكثير من الجأش”.

يرى رزوقة أنه يلزم أن تكون فطنا وسط “أولاد الحرام” المحيطين بك، كما يقول في مشهد آخر إنّ المدمنين على المخدّرات هم الأكثر حساسيّة ولهم ذكاء انفعالي مفرط.

ويكشف رزوقة في علاقته العنيفة مع فانتا عن حنان ولطف بالغين.. نرى ذلك وهو يقوم بتدليكه في الحمّام، نراه أيضا وهو يحاول معالجته من الإدمان ويصحبه إلى الطبيب الذي نكتشف في عيادته أن فانتا والناقة مريضان بداء التهاب الكبد الوبائي، يتأثّران ويبكيان بأناقة وكرامة، يقول لهما رزوقه في الشارع معزّيا بأن لا يحزنا فهذه الأمراض لا تصيب إلاّ الناس الجيّدين.

لا يملك هؤلاء الأبطال الحقيقيون بذخ الاستسلام للشكوى، يتابعون حياتهم بكثافتها وعنفها وعنفوانها المنفلت والفائض على التصنيفات الاجتماعية الفجّة، هم ليسوا مدمنين أو منحرفين أو هامشيين أو ضائعين، كما قد يتوهّم الأسوياء، هم قطعة من دنيانا، كما يشي بذلك عنوان الشريط، لا تعنيهم الثورة أو السياسة أو الآلهة.

ينتهي الشريط على مشهد عشاء أخير دون وصايا ولا مواعظ، خلف ستار ثمّة مائدة منتصبة، وفانتا يلمّ أغراضه ويبحث عن بقايا الدواء المخدّر الذي أخفاه عنه صاحبه خوفا عليه من الإفراط في تناوله.

"لقشة من الدنيا" فيلم تسجيلي ينتمي إلى سينما الواقع وليس فيلما روائيا رغم بعده المأساوي، إنه فيلم أنجزه الواقع
"لقشة من الدنيا" فيلم تسجيلي ينتمي إلى سينما الواقع وليس فيلما روائيا رغم بعده المأساوي، إنه فيلم أنجزه الواقع

الرفاق، خلف الستار، يحرّضون رزوقة على رفيقه فانتا بدعوى أنّه يستحق صاحبا أكثر وجاهة، يغادر فانتا باكيا من جفاء صاحبه، غاضبا ثائرا. يلتحق به رزوقه وينهمكان في عتاب طويل يشبه “صابون القلوب”، أحدهما يشكو من الجفاء ومن صاحبه الذي أخفى عنه الدواء المخدّر، والآخر يلوم صاحبه على استهتاره ورعونته، وسلوكه الطفولي.

يغادر فانتا الوكالة (الخربة) تحت المطر، إلى الشارع، يتوقّف، ثمّ يعود، كي يخفي حقنته في الحائط المتهدّم، يتبوّل وهو ينشج بالبكاء، ثمّ يغادر من جديد ويغيب في شارع باب الجديد، بينما يقوى وقع المطر في “مؤثرات صوتية خاصة” جادت بها سينما الطبيعة.

فيلم “لقشة من الدنيا” قطعة منا نحن معشر “السلالة الملعونة” في المشهد الثقافي العربي بكل أحجياته وإرهاصاته وأوجاعه، والتي يتحمل مسؤوليتها الجميع دون استثناء من نخب سياسية وثقافية وحتى قواعد شعبية خذلت نفسها قبل أن تخذل رموزها وقادتها والمبشرين بانتصاراتها.

"لقشة من الدنيا" فيلم غاضب، ولكن بهدوء المعلم، رشاقة الفنان، غيرة المواطن، وإنسانية الإنسان، إنه يذهب بعيدا في شرايين دمنا مثل إبرة “السيبيتكس” في وريد كل من بطليه رزوقة وفانتا، ولكن ليس للتخدير، وإنما للإيقاظ والتنبيه والتحذير.

لطالما ظلت الكاميرا العربية دون مثيلاتها، كاميرا منقبة، ساكتة عن الحق مثل شيطان أخرس، إلى أن يأتي في كل مرة من يحرّرها من أغلالها ويطلقها إلى مناطق لم تكن لتقع عليها العين، وهكذا فعلت كاميرا هذا العمل الجريء.

قال المخرج نصرالدين السهيلي إن فيلمه “لقشة من الدنيا” في عمقه “يتحدث عن حقيقتنا التي لا نرغب في معرفتها، بل ونخجل منها”.

 “لقشة من الدنيا” فيلم تسجيلي ينتمي إلى سينما الواقع وليس فيلما روائيا رغم بعده المأساوي، ولا علاقة له بالخيال أو المعالجة الدرامية.. إنه فيلم أنجزه الواقع.

 تساءل نصرالدين السهيلي في لقاءه مع “العرب”، “يا هل ترى أنا مبدع في هذا الفيلم أم لديّ دور آخر هو مجرد وظيفة راصد، فأنا لم أكتب سيناريو ولم أوجه ممثلين؟”.

13