"لقشة من الدنيا" فيلم حارق أزعج الرؤوس الحجرية

رأيت بعض “المثقفين” يحاولون النيل من فيلم “لقشة من الدنيا” أخلاقيا، لكن بشكل منمق، مدعين أنه فيلم عن المثلية، وهذا تزييف كبير، يثبت خللا تقييميا فاضحا، ويثبت فعلا رأي المخرج نفسه أن البسطاء أكثر تسامحا وقبولا بالآخر من أدعياء الثقافة.
الاثنين 2018/11/12
فيلم يقدم لنا عالم القاع خلف أسوار العاصمة

إن الإبداع فعل متأصل في ذات المبدع، منفصل عنه ومتصل به حد الالتحام، إنه طريقة وجود شعرية، أو على حد تعبير محمد لطفي اليوسفي “حلول في الكون”.

من هنا نمضي في حديثنا عن وضع السينما في تونس، هذا القطاع الذي كررنا مرارا أنه خاضع لمجموعة بعينها، ترفض “الدخلاء” عليها ممن لا يرضخون لها.

هذه المجموعة المتنفذة تتحكم في مسألة الدعم الذي تقدمه وزارة الثقافة التونسية للسينمائيين ومشاريع الأفلام، كما يسيطر أفرادها على سوق كبيرة تحكمها العلاقات مع المنتجين في الداخل والخارج، لذا نادرا ما نجد صوتا سينمائيا يغرد بعيدا عنها، لم يفعل أحدهم ذلك إلا وتكاتفت منظومة كاملة ضده.

أعود إلى مقدمة المقال، حول المبدع وإبداعه، وأنا أتحدث عن مخرج تونسي بصوت منفرد، هو نصرالدين السهيلي، الذي لا تتوقف عنده السينما والإبداع في حدود الكاميرا، سواء كان خلفها أو أمامها، بل الفن عنده مسألة وجود، حلول فني في الكون. هذا ما يجعله مختلفا، ربما تناقش قيمة أعماله ذوقيا أو فنيا وهناك حتى مجموعة من أصحاب الرؤوس الحجرية يناقشونها أخلاقيا، لكن بقي نصرالدين السهيلي ينحت تجربته من لحمه وحياته من عظامه وتجربة الحلول الصوفي التي يعيشها مع بيئته وأفكاره وهواجسه، ما جعله يخرج لنا بفيلم وثائقي هام بعنوان “لقشة من الدنيا”.

لق

شارك فيلم “لقشة من الدنيا” في مسابقة الأفلام الوثائقية في أيام قرطاج السينمائية، وهو الفيلم الذي لم يحظ بدعم رسمي أو غير رسمي، فيلم منحوت بصبر وجهد استثنائي لمخرج يقف صامتا خلف الكاميرا التي تتحرك لاهثة خلف شخصيات غريبة.

الفيلم الوثائقي يتتبع حياة ثلاث شخصيات هي “رزوقة” و”فانتا” و”الناقة” بينهما، شاهدا على علاقتهما التي يبدو من الحيف نعتها بـ”المثلية”. عين الكاميرا الصوفية تتابع بانتباه مآسي المخدرات والإدمان والمرض، مآسي الحب الذي لم نعتد عليه، لأننا لم نقرأ الصوفيين جيدا، لم نعرف الحب جيدا، وثقافتنا مجرد معارف دخيلة لا أصالة لها في الداخل. طبعا نحن هذه تعود على “المثقفين” أو “المتعلمين” أصحاب الأفكار الكبيرة حول التسامح وقبول الآخر، أصحاب نظريات التحرر والديمقراطية الزائفة والرؤى الجمالية المقلّدة.

هذا ما يعريه فيلم “لقشة من الدنيا” يقدم لنا عالم القاع خلف أسوار العاصمة، على مقربة من مثقفي الأفكار الرنانة، وبعيدا عن أذهانهم، قريبا من عوالم الناس الهامشيين حيث العنف والقذارات والفقر وانحلال ما يعتقده الجميع أخلاقا ثابتة.

بمهارة يفكك نصرالدين مع شخصياته الخارجة من روايات لا ندري إن كانت لكافكا أو دوستيوفسكي أو بوكوفسكي أو هي شخصيات من أخبار العرب والأغاني، شخصيات الفيلم روائية بامتياز، وهو ما جعلها حمالة لأبعاد غير مألوفة وأفكار قد نراها غريبة، مثلا حول العنف والحياة والشقاء والحب.

لم يتوج هذا الفيلم الذي أجمع الكثير ممن شاهدوه على أهميته البالغة وأحقيته بالتانيت الذهبي، ولا إشكال في ذلك، فالمسابقة لها ربما اشتراطات أخرى. وهذه الاشتراطات هي عين المشكلة لا عدم التتويج في ذاته، وإن كان فيه الكثير من الحيف.

تونس

الأسباب أو الاشتراطات التي أقصت الفيلم، خارجة عن الإطار الفني تماما، من بينها مثلا أن تجربة السهيلي لا تنتمي إلى عوالم رؤوس المال التي تسيطر على قطاع السينما، ومن الأسباب الأخرى ما ذكره السيناريست والكاتب الأسعد بن حسين من سيطرة بعض الجهات الفرنسية على صناعة الأفلام في بلداننا جنوب المتوسط، وأضيف إليه أننا بصدد مجموعة من الفاعلين السينمائيين الذين تحركهم علاقات إنتاجية ومصالح مادية بحتة، يساهمون بدورهم في تقديم صورة واحدة عن شعوبهم، وهذه الصورة كما يريدها المال المتحكم بسوق السينما اليوم إما صورة الإرهاب أو الربيع العربي، يريدون صورا نمطية ترضي رؤى الناظر من الخارج إلى شعوب الجنوب هذه.

القضية عميقة جدا، وإن الشعار الذي ثمنه الجميع حول عودة أيام قرطاج السينمائية إلى بعدها النضالي، وإلى مناسبة مخصصة للجنوب المهمش دائما، حقق نجاحا من حيث جنسيات الأفلام المعروضة، لكنه بقي شعارا لم ينفذ إلى القلب، حيث بقيت الرؤية نفسها الرهينة للآخر، وللحسابات الضيقة، وللمصالح الشخصية، وهذا طبعا ضد التجارب الحارقة والخارجة عن مألوفهم ومصالحهم.

من ناحية أخرى، رأيت بعض “المثقفين” يحاولون النيل من فيلم “لقشة من الدنيا” أخلاقيا، لكن بشكل منمق، مدعين أنه فيلم عن المثلية، وهذا تزييف كبير، يثبت خللا تقييميا فاضحا، ويثبت فعلا رأي المخرج نفسه أن البسطاء أكثر تسامحا وقبولا بالآخر من أدعياء الثقافة.

وقد تدخلت مسألة الأخلاق هذه أيضا والتي روجها بعض النافذين في إقصاء الفيلم، بحجج من خارج الفيلم متعلقة بشخص المخرج نصر الدين السهيلي، الذي وقع تشويهه بشكل مخجل وبتهم أخلاقية بعيدة عن الواقع والفن، من بينها مسألة دخوله السجن، والتي كانت إثر رشقه وزير الثقافة في حكومة الإخوان التي حاولت تغيير وجه تونس التنويري ما بعد الثورة، فكان احتجاجه رمزيا أكثر من كونه فعل عنف.

 إن ما سلف يثبت فعلا رأي المخرج نفسه من خلال فيلمه، أن البسطاء أكثر تسامحا وقبولا بالآخر من أدعياء الثقافة.

14