لقمان سليم: الشقاق ينخر حزب الله وعلى تيار المستقبل مراجعة مواقفه

يقرأ الكاتب اللبناني لقمان سليم، في حديثه لـ”لعرب”، الحال الشيعية وتحولاتها. ويفسر التمسك بحزب الله على الرغم من فاتورة الدم الغالية والمجانية. ويشير إلى الخلل في الخطاب مع الجمهور الذي يعاني منه حزب الله والمستقبل على حد سواء. ويقيم تفريقا دقيقا بين بشار الأسد والنظام السوري. ويبشر بلحظة سورية جديدة وطازجة لن تكون فيها سوريا معادية للبنان. ويعرب عن يقينه بكون حال حزب الله لحظوية وعابرة.
الجمعة 2015/05/22
لقمان سليم: ما نعيشه اليوم سببه عدم تصفية تركة الوجود السوري في لبنان

طالما مثّل لقمان سليم، الكاتب والناشر اللبناني الذي يدير مركز “أمم للأبحاث والتوثيق” وجمعية “هيا بنا”، حالة إشكالية في الوسط الشيعي بشكل خاص، وفي الفضاء اللبناني الأرحب بشكل عام. تقوم إشكاليته على حرصه الدؤوب على خلق مشروع للذاكرة في بلد تجتهد كل الأطراف الفاعلة فيه على تفعيل النسيان.

تقوم أهمية عمله على تفعيل دور الهامش وإطلاق طاقاته، كونه الجسم الفعلي الحامل للطاقات والتضحيات والأزمات والمتلقي الفعلي للصدمات. هذا الهامش بدا الآن يظهر ويطالب بحقه في أن يكون المتن كل المتن، فبعد أن كان الخطاب أن لا صوت يعلو فوق صوت المعركة، بات الخطاب الشيعي المهمش يصرخ لا صوت يعلو فوق صوت العيش.

ويعرض لقمان سليم، في حوار مع ”العرب”، لسلطان الاجتماعي الذي تهمله غالبا جل القراءات. ويشير إلى الخلل في الخطاب الذي يعاني منه حزب الله وتيار المستقبل. ويبشر بلحظة سورية جديدة وطازجة لن تكون فيها سوريا معادية للبنان؛ فيما حزب الله سيتحوّل إلى ملصق يسكن بين ملصقات كثيرة تؤرخ للعابر والزائل.

الإهدار المجاني

* ما الذي يفسر كل هذه المجانية في إهدار الدم الشيعي من قبل حزب الله في اللحظة التي لم يعد فيها هذا الإهدار مرتبطا بهدف عسكري واضح أو بسياق مرتبط بالمصلحة الشيعية؟

* كلمة الإهدار مناسبة في السؤال لأنها تحيل إلى العبثي والمجاني. هذا سؤال صعب ولكنني سأحاول الإجابة عنه. ما نشهده اليوم ليس وليد اللحظة، بل هو خلاصة وزبدة أداء سياسي ضمن الطائفة الشيعية، وضمن الدائرة اللبنانية. هذا العبث يملك شروط إمكان باللغة الفلسفية، ولكنه ليس عبثا، بل يضم جملة شروط لا يمكنه أن يجري من دونها.

أحد مفاتيح العبث الذي نشهده في العام 2015، يصل نسبه إلى ما جرى أو لم يجر في العام 2005، وفي ما فشلنا فيه العام 2005، حيث لم ننجح في استقبال لحظة دولية مناسبة كانت تتيح لنا، على شيء من المبالغة، إخراج الجيش السوري، ولكننا لم نعمل على تصفية تركة الوجود السوري في لبنان.

هناك عبث لبناني كبير تشكل عام 2005 حيث كنا متحاربين، ولكننا لا نريد أن نقول إننا كذلك. الخلاف كان على أمور أساسية بمقدار ما يحمل الصراع في سوريا اليوم سمة الأساسي الذي يتحكم بمفاصل حياتنا.

سوريا الجديدة لن تشبه سوريا خالد العظم التي كانت تهدد بخنقنا اقتصاديا ولا سوريا الأسد

* اقتربنا اليوم من لحظة الحقيقة حيث هناك حربا أهلية واقعة دون شك، فحين أسمع والد شاب من “فنيدق” يصف ابنه الذي قضى في العراق بالشهيد، وفي الوقت نفسه يصيح مذياع في الضاحية معلنا شهادة فلان الذي قضى في القلمون، ألا نكون في قلب سياقات حرب أهلية؟

*سنة 2005 كانت منعطفا. حالنا هو حال سائق لم يعرف الانعطاف في الوقت المناسب، ولا زالت السيارة تدور منذ تلك اللحظة دون هدى، وتذهب في كل الاتجاهات. لم نحسن متابعة هذا المنعطف، وهذا ما أوصل عند الشيعة إلى حالة السخاء في الدم الذي يبدو أن لا رقيب عليه، وعند السنة بتنا نلحظ صعود التيارات التي لا تكفر بالدين، بقدر ما تمارس التكفير السياسي. المسيحيون ركنوا إلى انطوائية بالمعنى النفسي للكلمة وربما إلى اكتئابية. فهم يبدون مسكونين بهاجس الرئاسة.

أحب أن أنظر إلى حال العبث اللبناني ليس على مستوى حزب الله وحسب، ولكن على مستوى الجماعة اللبنانية. أحب أن أنظر إلى الحال القائم بوصفه غير قابل للاستمرار. عدم استمراره سيقود إلى الأسوأ، ولكن هذا الأسوأ يفتح آفاقا يوصدها بقاء الأمور على ما هي عليه.

* ما هي أسباب إحكام حزب الله سيطرته على الساحة الشيعية في الوقت الذي يبدو فيه بشكل واضح أنه يجر الشيعة إلى الهاوية؟

*حزب الله مسمى لأشياء كثيرة، وليس فقط للتنظيم العسكري والواجهة السياسية. يجب أن نبقي في ذهننا أن حزب الله هو لحظة من لحظات النمو الشيعي في لبنان، وهو تعبير عن احتلال الشيعة مكانهم في لعبة السلطة.

حزب الله ومنذ دخوله إلى اللعبة السياسية يمارس اللعبة نفسها القائمة على تخويف الجماعة الشيعية، والإيحاء لها أن دوره هو الدفاع عنها. مارس هذه اللعبة كل الوقت، حتى حين لم تكن تتخذ طابعا دمويا، ولكن هذا المنطق اتخذ اليوم طابعا دمويا.

الشيعة وللأسف الشديد ارتضوا أن يكونوا أسرى أو ركاب طائرة مخطوفة. واستعمل هذا التشبيه لأنني أرى أنه الأقدر على وصف حال الجمهور الشيعي اليوم، فهم مخطوفون متضامنون مع الخاطف. هم خائفون لأن الوضع خطر، ولكن في الوقت نفسه تتماهى قضيتهم مع قضية الخاطف. هذا ما يفسر السكوت الشيعي على ما يجري.

لبنان يدفع غاليا ثمن تبعية حزب الله لإيران وولائه لنظام الأسد

منذ بداية الثورة في سوريا اخترع حزب الله فكرة الخوف الذي لم يطلق عليه بداية وصف التكفير، بل عمد إلى استعمال فكرة المؤامرة على نظام الأسد والعلويين ودمجها بفكرة المؤامرة على الأقليات والشيعة.

قوة المهمشين

* كيف تنظر إلى دور الفئات المهمشة في خلق نشاط فاعل داخل المنظومة الشيعية التي يسيطر عليها حزب الله؟

* عندما بدأت جمعية “هيا بنا” نعمل مع النساء تعرضنا للسخرية. قيل لنا إنكم تلملون مع النساء ومع لاعبين ثانويين فكيف تدعون أنكم تعملون في السياسة، في حين أنكم لا تعملون في السياسة عمليا، بل تهتمون بتعليم النساء والأولاد.

أنا أعلم أن التيارات العميقة في المجتمع والتيارات الأساسية، ليست هي ما يظهر على السطح، وبأنه في عالم كالذي يعيش فيه اللاعبون الذين قد يبدون ثانويين لأنهم مجهولون، فإن هؤلاء هم من يمكنهم أن يكونوا فعليا قيادة الرأي في مجتمع ما.

سمعت ذات يوم صرخة أم أو أخت في الضاحية تقول لشاب “مش مسامح إذا بتروح عسوريا”. هذا رأي على الرغم من أنه يقال بشكل شخصي. من هنا علينا أن لا نستخف باللاعبين الذين يبدون ثانويين، لأننا لا نريد إلا أن نراهم كذلك. وتضم هذه الفئة النساء ورجال الأعمال. والزيارة التي قام بها أعضاء من المجلس الاقتصادي السعودي لمحمد رعد تنتمي إلى هذا النوع من الحراك. الدينامو في هذه الحركة هو شخص يدعى ربيع الأمين، وهو شيعي لبناني وسيّد. وهو من كان صاحب الفكرة. هذا الرجل حين أحس أن محفظته تتأذى قام بمبادرة مفاجئة.

هذا الشخص نفسه كان منذ أشهر قليلة من جماعة القبضات المرفوعة، وكنت حين أنتقد حزب الله اتصل بي عاتبا غاضبا. وأصبح الآن ملكيا أكثر من الملك. هؤلاء يعملون بواقعية سياسية. ولا يجب التخفيف من أدوار أمثال هؤلاء اللاعبين. لا أقول إنهم سيجلبون المن والسلوى والحلول النهائية، ولكنهم إبراز لجانب يحرص حزب الله على إخفائه. الحزب يريد أن يرينا على الدوام الجانب الخاص بالقبضات المرفوعة والنظام المرصوص، وهو لا يريد وليس من مصلحته أن يرى أحد الشقاق الذي يجري في الخلف.

* اهمال الشأن الاجتماعي، كيف يمكن أن يؤثر على بنية حزب الله؟

* يبقى هذا الأمر واحدا من أخطر الأمور. يقدم حزب الله نفسه بوصفه عامل استقرار اجتماعي في البلد. دعنا لا نكذب على بعضنا بخصوص الوقائع في هذا الصدد، فالحزب هو ثاني قوة اقتصادية في البلد. تخيل بلدا ينتكس فيه ثاني أكبر مشغّل. دعنا نفترض أن حزب الله شركة، وهذه الشركة تنتكس، أو تضطر إلى صرف موظفيها. ألن يتحول هؤلاء الموظفون إلى عاطلين.

من هنا يبتز حزب الله الآخرين، ويبتز حتى خصومه السياسيين. عام 2013، كان هاجس بيت الحريري هو الخوف على “السوليدير”. كانوا خائفين من أن يرسل حزب الله حشدا من الموتوسيكلات لتخويف الناس. سمعت هذا الكلام من نادر الحريري شخصيا. حزب الله يستعمل هذه الورقة ويقول للآخرين: أنا أضع السكين على رقابكم ولكنني لا أجز. في هذا المعنى أخشى أن تتم معالجة موضوع حزب الله الذي تلقى خسائر كبرى في سوريا، عبر منحه المجال لممارسة المزيد من الفساد في لبنان للإبقاء عليه.

حزب الله ومنذ دخوله إلى اللعبة السياسية يمارس اللعبة نفسها القائمة على تخويف الجماعة الشيعية، والإيحاء لها أن دوره هو الدفاع عنها

أزمة خطاب

* كيف تنظر إلى ردة فعل تيار المستقبل أمام هذا النوع من الخطر؟

* ربما يكون متنبها، ولكن مشكلة تيار المستقبل حاليا هو عدم قدرته على تجديد خطابه السياسي، ليس أمام الشيعة ولكن كذلك أمام السنة. يعاني تيار المستقبل حاليا من مشكلة في الخطاب أمام جمهوره السني، كما يعاني حزب الله من المشكلة نفسها أمام جمهوره الشيعي. ربما يكون اليوم ما يسمى بالحوار هو عبارة عن اتفاق الطرفين على حاجتهم لبعضهم، حيث يقوم حزب الله بتجديد وكالة المستقبل عن السنة في لبنان، ويقوم المستقبل في المقابل بالتغاضي عن مشاركته في القتال في سوريا، بحيث يبدو الحزب وكأنه يتماهى مع السياسة اللبنانية. هناك صفقة مستمرة بين هذين التيارين، ولا يجرؤ أي منهما على القيام بشيء في هذا الصدد. لا أتوقع من حزب الله أي شيء كونه مرتهنا لسياسات فوق لبنانية، ولكنني أنتظر من تيار المستقبل أن يراجع هذه المواقف، إذا كان راغبا في أن يكون له مستقبل.

* ظهر إصرار حزب الله على اعتبار معركة القلمون معركة شيعية خالصة، في حرصه على إشراك حركة أمل فيها، فهل باتت إيران تعاني من مأزق في فارسيتها أجبرها على العودة إلى العزف على الوتر الشيعي، وتبعها حزب الله في ذلك؟

* لم يخف حزب الله يوما شيعيته. قد يكون قد عمد إلى الإعلان عن جرعات محددة من هذه الشيعية. هذه الصيغة تكون أحيانا فاقعة ثم تشحب. حزب الله مضطر أن يعطي معركته هذه الصبغة، لأنه يصرف من رصيد شيعي. وتبين بعد إطلاق “عاصفة الحزم” أن الطوابير الخامسة التي يحركها سواء في الوسط السني أو ضمن المسيحيين، وحتى عند الشيعة لم تنجح في أن تواليه كما يريد.

سلاح التدمير الشامل الذي يملكه حزب الله، يقوم على بث في نفوس الشيعة فكرة مفادها أنه يقاتل عنهم وللدفاع عنهم، وأن الحرب السورية هي حربهم، وتاليا فإن الدماء التي يبذلها هي من أجلهم. لو كان يستطيع أن يهب معركته صبغة مسكونية أكثر لما قصر، ولكنه عاجز عن ذلك.

ويهمني أن ألفت النظر إلى قصر نظر تيار المستقبل، الذي حرصت إحدى نشرات أخباره على منح رئيس المجلس النيابي نبيه بري صك براءة من الدم السوري. أثناء عرض شهادة البراءة هذه، كنت في لقاء مع أحد الدبلوماسيين الفرنسيين في لبنان، وكنا نتحدث عن هذا الموضوع ونقوم بعرض معلوماتنا بغية التوصل إلى تقاطع ما للمعلومات. كلنا يعلم أن هناك عددا كبيرا من كادرات حركة أمل ذهبوا إلى إيران للخضوع لدورات إعادة تأهيل. حرص الإيرانيون على اختيار كوادر يملكون خبرة قتالية وقدرات تمكنهم من القيام بأدوار القادة الميدانيين. هناك حاليا في الجرود مقاتلون للحركة؛ فمشاركة حركة أمل لم تبدأ البارحة. بعد ذلك يأتي تيار المستقبل بنشرة أخبار تمنح حركة أمل صك براءة ليكون ضحكا على النفس.

حزب الله يصر على اعتبار معركة القلمون معركة شيعية خالصة

سوريا جديدة

* كيف يمكن أن يؤثر سقوط النظام السوري المتوقع على لبنان؟

* لقد أصبحت ميالا في الفترة الأخيرة إلى إقامة تمييز بين النظام السوري وبشار الأسد. في تقديري الأسد انتهى، والحليف الإيراني ينتظر اللحظة المناسبة للتخلص منه، سواء على طبق من فضة أو في قفص داعشي. النظام في نظري شيء آخر، وهو ليس شأنا سوريا خالصا. فقد بات واضحا أن هناك من يرغب في تحويل منطقة الساحل السوري إلى ما يشبه قبرص لتكون موطئ قدم له.

مؤخرا، أعلن الإيرانيون، وتحت عنوان تشجيع التجارة مع سوريا، عن خط بحري مباشر. هذه المنطقة تشبه لبنان. من هنا أرى أن السلالة الأسدية على وشك الانقراض، ولكن الإيراني أحيانا بالتعاون مع الروسي أو بالتنافس معه يحرص على الحفاظ على نظام ما. قد تسألني إذا ما كنت متأكدا من صحة تحليلي. أجيبك بأنني متأكد بنسبة تسعين في المئة، ولكن هذا لا يعني أنه لا يمكن لسوريا الدخول في لحظة رواندية ما ولحظة مجازر. هذا ممكن، ولكنني أستبعد أن يقبل العالم بالعودة إلى لحظة رواندية جديدة. ويهمني لفت النظر إلى موقعنا كلبنانيين. قد نكون قادرين على الاستفادة من هذا الوضع إذا كنا مستعدين. أتحدث انطلاقا من موقع الغنم، وإمكانية الاستفادة من الفرصة السورية. ليس مهما إذا تكبد حزب الله الخسارة تلو الأخرى في سوريا، ما لم يكن لدينا خطاب لبناني قادر على الاستفادة من واقع هذه اللحظة.

للمرة الأولى منذ نشوئه سيعيش لبنان وسوريا ضعيفة. سوريا لن تكون مهوى الأفئدة، وربما وللمرة الأولى سيكون لدى السوريين رغبة في التلبنن، ولن يكون لدى اللبنانيين رغبة في أن يكونوا في سوريا. اليوم هناك سوريا سابقة، ولا نعلم ماذا ستكون عليه خلال أربعين سنة قادمة، ولكنها قطعا لن تشبه سوريا التي تخيفنا كلبنانيين. سوريا الجديدة لن تشبه سوريا خالد العظم التي كانت تهدد بخنقنا اقتصاديا، ولا سوريا الأسد. لدينا فرصة مميزة حين لا تكون سوريا هي هذا الشقيق المتربص الذي يريد دوما إعادتنا إلى بيت الطاعة. السؤال هو كيف نعمل كلبنانيين لمصلحتنا ولمصلحة السوريين. أنا واثق أن كل ما من شأنه أن يصب في مصلحة اللبنانيين، فإنه سيكون قطعا في مصلحة السوريين كذلك.

زوال السحر

* قمت ولمرات عديدة بإنشاء وإدارة تجمعات شيعية، فماهي الخلاصات التي توصلت إليها، والتي يمكن من خلالها الخروج باستنتاجات محددة حول طبيعة العقل الشيعي، وكيف يمكنه أن يتعاطى مع الأزمات التي لا تزال مشتعلة؟

* اللبنانيون الشيعة على غرار سواهم كانوا مسحورين، ولا أحد منهم كان قادرا أن يتصور أن حزب الله يمكن أن يضعف وأن ينحل.

لم أكن يوما ساذجا لدرجة أن اعتقد أننا كنا نستطيع أن نغلب حزب الله. كنت أؤمن دوما أنه كيان بشري، وتاليا يجب إبقاء أفق مفتوح عبر خلق إمكانية موازاة، أو مضاهاة، أو مضارعة، أو مقارعة الحزب قائمة، وفقا لاختلاف الظروف. يجب دائما اعتبار أن حزب الله ليس قدرا. هو لحظة واكبتها رياح إقليمية ودولية مواتية. هو تعبير عن حضور الشيعة في التركيبة اللبنانية، ولكنه لحظة، وكل لحظة لا بد لها من الانقضاء، ولايمكنها الاستمرار.

المفارقة أن الرجة النفسية الناتجة عن تهلهل حزب الله يعاني منها غير الشيعة، أكثر من الشيعة أنفسهم. هذه الرجة ناتجة عن اكتشافهم أن حزب الله بشري، وأنه ليس “تريبل آي” بلغة الاقتصاد، حيث أن هذا النوع من الأسهم مضمون ومستحيل أن يخسر. ربما يكون حزب الله “دابل آي”، ولكنه لا ينتمي قطعا إلى النوع الذي يستحيل أن يخسر، بل يجري عليه اقتصاد السوق حيث الصعود المفاجئ والسقوط المفاجئ.

خلاصتي التي خرجت بها تعود إلى عامي 1996 - 1997، حيث بدأنا ننتبه إلى وجود حركة إصلاحية في إيران، وكنت يومها لازلت ارتدي عباءة الناشر وقد نشرت قبل تلك الفترة بقليل كتاب “خاتمي عشية انتخابه”.

هاجسي كان دائما يتعلق بالتأكيد بأن حزب الله ليس مكتوبا في اللوح المحفوظ وليس مصيره الأبدية. أنا واثق أن هناك شيئا من حزب الله سيبقى في نفوس الشيعة كأيقونة، وأنه في قعر الفنجان الشيعي سيبقى دوما الحنين إلى لحظة البطولة كما يمثلها الحزب، ولكن هناك فرقا بين من يحمل سيفا وترسا ويهجم عليك، وبين حزب تحول إلى صورة على الحائط. أنا مع تحول حزب الله إلى بوستر للذاكرة ضمن بوسترات أخرى.

12