لكل رياضة نظام تنفس خاص

يشدد أخصائيو الطب الرياضي على أهمية تنظيم إيقاع التنفس ويحثون عن تعلم النوع المناسب لكل رياضة، لا سيما رياضات التحمل التي يشكل فيها التحكم في التنفس فارقا حاسما لربح المنافسات.
الأحد 2015/05/17
خلال رياضات التحمل يحتاج الجسم إلى أكبر قدر من الأوكسجين

تناولت الكثير من الدراسات تأثير نظام التنفس على اللياقة والنجاعة في ممارسة التمارين الرياضية العادية والتنافسية وبحثت عن الطريقة الأمثل لرفع مستوى الأداء والقدرة على التحمل.

وأكدت دراسة أميركية جديدة على أن ضبط إيقاع التنفس يسمح باستنشاق الأكسجين بشكل أكثر كفاءة ما يمكن من تنفيذ التدريبات لفترة أطول.

وقام باحثون بعمل تجارب لبعض الرياضيين على آلة الجري الرياضية ووجدوا أن خطواتهم أصبحت أكثر فعالية عندما قام كل منهم برفع أنماط التنفس بطريقة متزامنة ومختلفة في كل مرة بحيث تتم عملية التنفس مرة واحدة كل ثلاث أو أربع أو حتى سبع خطوات.

ويوصي الخبراء باعتماد نظام التنفس العميق وتكييف نسقه حسب نوع الرياضة التي نمارسها.

والتنفس العميق هو نظام يرتكز على قدرة التحكم العالية في الشهيق والزفير، بحيث تكون الاستفادة من أوكسجين الهواء في أعلى مستوى لها. وجاءت تسميته من خلال العمل على سحب أكبر كمية من الهواء أثناء الشهيق لتصل إلى أعمق نقطة في الرئتين وإشباع أكبر كمية من الحويصلات الرئوية بالأوكسجين. وهو نظام معاكس في مفهومه لما يسمى بنظام التنفس السطحي والذي يبرز عند الشد العالي من التمرين وخلال مسافة السباق القصيرة.

وينصح مختص في تدريب اللياقة البدنية، بإعادة النظر في عملية الشهيق والزفير (ليس على أساس أنهما عمليتان لا إراديتان)، فقد توصلت الدراسات إلى ضرورة العمل على السيطرة على هاتين العمليتين للحصول على نتائج أفضل.

فخلال عملية الشهيق يحث الخبراء على السحب السريع وبكمية كبيرة للهواء المحمل بالأوكسجين، بحيث يكون هناك انتفاخ في منطقتي البطن والصدر وليس الصدر وحده. حيث أن كمية الهواء الداخلة إلى الرئتين تحل محل الهواء الخارج منهما دائما، ولذلك فإنها مرتبطة بكمية هواء الزفير.

وعند الزفير يتم دفع أكبر كمية من الهواء إلى خارج الرئتين ببطء ولأطول فترة ممكنة، حيث تعمل هذه الطريقة على إفراغ الأحجام من الهواء المؤكسد داخل الرئتين لمحاولة الوصول إلى (السعة المتبقية) من هواء الرئتين لاستبداله بهواء نقي مؤكسج.

ويرى الأخصائيون أن هذا التدريب يفضل أن ينجز على اليابسة، ذلك أن الانتقال من التنفس السطحي إلى العميق وبانسيابية واسترخاء يؤهل السباح والرياضي عموما إلى حسن استخدامه خلال التدريب والمنافسة التي تنتقل إلى الماء أو الملعب.

ويصنف الباحثون طرق التنفس التي تتماشى وفق نوع التمارين أو الأنشطة المزمع القيام بها. ففي حال القيام بنشاط رياضي قوي وسريع يحتاج الجسم لقدر كبير من الطاقة لأن الشروع في الحركة يقطع التنفس ويتطلب التركيز على مدى التحمل، الأمر الذي يدفع بالعضلات للاعتماد على مخزونها من الأوكسجين.

وللنجاح في هذه الحركة يوصي العلماء باستنشاق كمية كبيرة من الهواء وتخزينها داخل الجسم مع العمل على ملء البطن ونفخها بالأوكسجين، ثم التوقف تماما عن التنفس طوال 20 أو 60 ثانية، الفترة التي تستغرقها الحركة الرئيسية للتمرين. وعادة يحتاج الرياضيون لهذه العملية خلال رفع لأثقال أو العدو السريع أو أثناء التقاط كرة المضرب.

وخلال بذل نشاط رياضي مطول يحتاج الجسم إلى أكبر قدر من الأوكسجين المحمل عبر كريات الدم الحمراء لكل الأعضاء، ويتطلب تحويلا سريعا للسكريات والدهون المخزنة إلى طاقة متجددة طوال المنافسة.

د. جان بيار موندينار: رفع جاهزية الجهاز التنفسي يقلل بالضرورة من خطر الإصابة بالنوبات القلبية

وفي هذه المرحلة، يشدد الخبراء على التركيز على استنشاق الهواء عبر الأنف الذي يحتوي على غشاء مخاطي مهدب يرطب ويسخن الهواء وينقيه من الأبخرة والغازات الملوثة، الأمر الذي يسهل امتصاص الخلايا للأوكسجين.

وتتلخص هذه الطريقة في سحب أكبر كمية من الأوكسجين بالأنف وملء البطن ليصبح شكلها مثل الكرة ومد الرئتين بالهواء لرفع جاهزيتهما أكثر فأكثر.

الخطوة الثانية تتطلب إفراغا كليا للهواء لكن عبر الفم للتخلص من ثاني أوكسيد الكربون. وهنا تجدر الإشارة إلى أنه كلما كانت كمية الهواء المدفوع كبيرة كلما زادت القدرة على الاستنشاق.

وللسيطرة أكثر على عملية التنفس، يوصي المدربون بتجربة تمرين بسيط لتعويد الجهاز التنفسي على الطريقة العلمية الصحيحة وذلك من خلال العمل على سحب الهواء بالأنف مرتين ثم إخراجه عبر الفم ثلاث مرات متتالية.

وتعتمد هذه الطريقة خاصة خلال رياضات التحمل مثل السباحة والمشي السريع وركوب الدراجات الهوائية.

يذكر أن المختص في الطب الرياضي، الفرنسي الدكتور جان بيار موندينار، تعرض من خلال مجموعة كتبه إلى أهمية التحكم في عملية التنفس ومدى تأثيرها على أداء راكبي الدراجات الهوائية خلال المنافسات.

ويقول موندينار إن القلب هو المستفيد الأكبر من التمارين وإن رفع جاهزية الجهاز التنفسي يقلل بالضرورة من خطر الإصابة بالنوبات القلبية.

أما الرياضات التي يطلق عليها اسم “الأنشطة الناعمة” وهي تلك التي لا تتطلب جهدا ماديا كبيرا وترتكز بشكل خاص على التركيز والتدرج، مثل تمارين الاسترخاء واليوغا والتمطط، فيوصي الأخصائيون، خلالها، باستنشاق كمية كبيرة من الهواء ثم إفراغه شيئا فشيئا بنسق بطيء وتدريجي.

وينصحون بمد عملية الزفير طوال 20 أو 30 ثانية للتخلص من كل الغاز العالق بالجسم، مما يسهل استنشاق الأوكسجين الذي يسمح باسترخاء العضلات ويخفف من الآلام الطفيفة التي تواجهها عند التمطط.

وتساعد تمارين التنفس على إبطاء معدلات التنفس، إذ يأخذ الإنسان عددا أقل من شهقات التنفس العميقة في الدقيقة، الأمر الذي يخفض بشكل مؤقت من ضغط الدم المرتفع ويهدئ الجهاز العصبي السمبثاوي المسؤول عن توليد هرمونات التوتر.

ويوفر كل من الوضعيات الجسدية وتنظيم التنفس نوعا من التأمل الجسدي الذي يركز على تصفية الذهن وتنقيته. وقد ظهر أن كلا من التأمل والذهن كامل الوعي أثناء ممارسة اليوغا يساعد مرضى القلب والأوعية الدموية الذين يمارسون هذه الوسيلة.

وفي حال القيام بالتمارين التي تتطلب القوة والشدة مثل تدريبات تقوية العضلات، يقول الأطباء إن الزفير يتزامن مع الحركة، أي إفراغ الهواء يكون لحظة الشد على العضلات أو رفع الأثقال. وشددوا على ضرورة أن تعادل نسبة الهواء الداخل أو الخارج حوالي نصف لتر في كل مرة.

ويقول الباحث العراقي عبدالرزاق جبر الماجدي إن الجهاز التنفسي يعد واحدا من أهم الأجهزة الوظيفية التي يتم عن طريقها تقييم مستوى اللاعبين وذلك لما لها من أهمية في إعداد الرياضي لتحمل الجهد والتكيف مع ذلك الجهد، إذ أن التكيف الفسيولوجي يعتمد بدرجة كبيرة على نوعية وشدة وزمن التدريب وأيضا قدرة تحمل السرعة.

التدريب يفضل أن ينجز على اليابسة

ومثلا، كلما استطاع المدرب تقنين تدريبات التحمل التنفسي لراكضي 1500 متر وفق الحجم والشدة والكثافة التدريبية كلما انعكس ذلك على استجابة الأجهزة الوظيفية، إذ تتطلب هذه المسابقة استعدادا وظيفيا عند عملية التنفس وأكبر معدل لاستهلاك الأوكسجين وزيادة السعة الحيوية، إضافة إلى استعداد الجهاز التنفسي في تعبئة الخلايا الجسمية والعصبية لإنتاج الطاقة مما ينعكس على تحمل السرعة والإنجاز الرياضي.

ومن المعلوم أن هواء الشهيق يدخل الرئتين، إذ تشتمل كل رئة على عدد غير قليل من القصيبات الهوائية الشعرية والتي تنتهي بعدد كبير جدا من الحويصلات الهوائية التي يجري عبرها تبادل الغازات من الشعيرات الدموية التي تحيط بالحويصلات.

وتعمل العضلات بين الأضلاع والحجاب الحاجز على تشغيل الرئتين، فتسحب الهواء إليهما ثم تدفعه خارجهما في فترات منتظمة وهذا يتم على مستوى الشعيرات الدموية معا. وعلى هذا الأساس ستكون مهمة الجهاز التنفسي هي استيعاب الأوكسجين والتخلص من ثاني أوكسيد الكربون، إذ لا يتحدد عمله في مكان واحد وإنما في جميع أنحاء الجسم وبين المحيط الخارجي وجهاز التنفس وبين جهاز التنفس ذاته والدم وبين جهاز النقل الدم وصولا إلى الخلية.

وفي رأي الكثير من الخبراء فإننا مستمرون في حياتنا وفي تدريب رياضيينا مستخدمين نظام التنفس السطحي والذي يكون فقيرا من الأوكسجين.

ومن حسن الحظ أن هذا النظام من التنفس قابل للتغيير مع التدريب باستخدام تدريبات تنفس خاصة، فخلال مراحل الطفولة المبكرة، يكون التنفس الصحيح (بنظام التنفس العميق) غريزيا. ويمكننا ملاحظة الأطفال منذ الولادة بالنظر إلى منطقة البطن لنرى أنها ترتفع وتمتلئ الرئتين مع كل شهيق.

ومع الانتقال إلى المراحل العمرية الأكبر تكون هناك عملية امتصاص للأحشاء الداخلية وهبوط في منطقة البطن مع انتفاخ قليل بالرئتين (كما نلاحظه عادة). وفي هذه الحالة تكون هناك مقاومة تحد من أخذ الكمية المفترضة من الأوكسجين، مما يؤدي إلى المشكلة التي نحن بصددها.

وبهذا يكون التنفس السطحي هو مشكلة بحد ذاته لأنه سيزود الرئتين بكمية قليلة من الأوكسجين، وبالتالي فإن كمية الأوكسجين القليلة هذه ستؤدي بدورها إلى ازدياد عدد مرات التنفس، مما يقود إلى تغييرات فسيولوجية تتسبب في تقلص الأوعية الدموية كما تشير إلى ذلك عدة دراسات.

وجدير بالذكر أن عدم التوازن في مستوى الأوكسجين ومستوى ثاني أوكسيد الكربون داخل الرئتين سيقلل من كمية الأوكسجين الواردة إلى الدماغ. وهذا بحد ذاته يعد سببا من أسباب ضعف عمل القلب وسرعة ظهور التعب وتأخر الاستنشاق.

19