لكل عائد ذكرى

الأربعاء 2017/03/01

يعودون إلى الوطن.. لا بد وأنها زيارة تم تأجيلها مرارا وتكرارا.. مرة بسبب الحرب وأخرى بسبب الدكتاتور وثالثة بسبب الاحتلال وأخرى بسبب الاحتراب الطائفي.. وتبقى دائماً ثمة أمور عالقة كان لا بد لها وأن تحل ولو بعد سنوات طوال.. فيعودون بعد تردد وطول تفكير ليصلوا إلى ذلك القرار الحاسم بالوقوف وجها لوجه أمام الوطن..

بعد عامين ربما أو خمسة أو عشرة أو ثلاثين.. وتغدو الانطباعات والتصورات والصدمات شاسعة البون مترامية الاختلاف.. لأن من يرى الأشياء بعينيه.. لا يمكنه بأي حال من الأحوال أن يشبه ذلك الذي ينظر إليها بقلبه.. والذكريات التي تختزن الفرح والحزن والنشوة والحسرة.. وتحتفظ بصور الأماكن والأبنية والشوارع والساحات.. إنما يشوبها بالتقادم ما يشوبها من أوهام وتصورات أو “مطيبات” و”نكهات” تجعل منها ربما صورا تجريدية أبعد ما تكون عن واقعها.. وتتفاقم فعلا حين يكون البلد واقعا تحت تأثير التغيرات والانقلابات الاجتماعية والسياسية وبعيدا عن الاستقرار.. ويتراوح بين التطور والتقهقر.. وبين الارتقاء أو التدني في المفاهيم والأفكار والذوق العام..

بيد أن الإحساس بالتغيير حادث لا محالة.. ولكلٍ وجهةُ نظرهِ بحسب تلك الوجهة التي آثرت الذكريات أن تكون عليها..

وإذ يفكر أحد ما بجمع تلك الذكريات من سلال أصحابها.. إنما يقع في فخ الضياع.. فلا شك أنه لم تعد ثمة ذكريات موحدة تجمع أهل الأرض إزاء الأرض.. ولا يمكن للمشاهد البعيد حتى أن يقتسم الحكاية نصفين يصبان في فكرة المقيم المصرّ على البقاء والمغادر العائد.. فلم تعد ثمة فكرة توحد أهل الداخل.. مقابل فريق أهل الخارج إلا بما يمكن أن يندرج ضمن الخطوط العامة التي ما إن نفكر في تصنيفها والخوض في تفاصيلها حتى تضيع منا غالب الخيوط.. لنصل في النهاية أو في أول البداية ربما إلى انحسار مفهوم الذاكرة الجمعية..

فالمقيم في الداخل.. ذلك الشاهد الذي يشكل العمود الفقري لقصة الذكريات إنما ينظر إليها من وجهة نظره الخاصة التي لا يشبه وقعها عليه ما تفعله بجاره المختلف أو بقريبه الذي يسكن في مكان آخر من المدينة عينها ويعتنق أفكارا مغايرة.. ولذا تختلط الذكريات ربما لهول ما مر به البلد من زمن صعب ولتسارع الأحداث واضطرادها ..

أما المقيم في الخارج.. وهو غالبا ذلك المتفرج الذي يلوك انطباعاته القديمة عن الوطن.. فقد تقاسم الكرة الأرضية وانتشر في الأصقاع حتى لم تعد لتخلو منه قارة أو جزيرة إلا وكان فيها من آثر حياته على موته اليومي.. واختار أن يعيش ولو بأبسط السبل بشرط واحد وحيد هو الإحساس بالأمان..

فكيف له إذا ما عاد زائرا أن ينظر للبشر والحجر والشجر؟.. وكيف يمكن أن يكون انطباعه عن الوطن بعد أن غزل أفكاره بحسب ما مر به بشكل شخصي.. حتى نسج سجادة الماضي من خيوط أفكاره ليفرش بها أرض الوطن كما يحب هو أن يراه؟

والكل يجزم أنه لا أحد عاد من أو إلى الوطن.. إلا وسُمِعَ منه رأي خاص لا يشبه رأي سواه.. فخصوصية الذكريات هي السطوة الأهم التي ترسم صورة الوطن البعيدالقريب.. التي ما إن تصطدم بالواقع حتى ينخدش ذلك الوهم الجميل..

صباحكم واقع أجمل..

شاعرة عراقية مقيمة في لندن

21
مقالات ذات صلة