لكل فصل في مكتبتي مؤلف وكتاب

الجمعة 2013/08/23
ستاندال: لا نبلغ الحقيقة إلا في الرواية

تجربتي المديدة في القراءة جعلتني أقبل في كلّ فصل من فصول السّنة على نوع من الكتب التي تناسبه، والتي تنْسجم مع طقوسه ومميزاته الطبيعية وما يعلق منه بالنفس من وجدانيات.

لأنّ لكل فصل صفات تجعل منه فضاء طبيعيا ونفسيا خاصا يحفز الكائن البشريّ على إنجاز أعمال معيّنة وعلى إظهار سلوك لا يحفل به في فصول أخرى، أو هو ينوّع منها وفق ما به تطيب نفسه وتهدأ فيه روحه، فإنّ لعلاقة القراءة بالفصول حكايات سنذكرها في هذه المقالة.

رحلة الشتاء


في الشتاء مثلا، أنا أميل إلى قراءة الروايات الضّخمة والمعقّدة، والتي تتطلب التّركيز، والانتباه في كلّ فقرة من فقراتها، بل في كلّ سطر من سطورها، مثل روايات دستويفسكي وتولستوي وفوكنر وفرجينا وولف وجيمس جويس ونابوكوف والعمل الذائع الصّيت لمارسيل بروست، أعني «البحث عن الزمن المفقود»، و«رجل بلا مواصفات» لروبرت موزيل، و«موت فرجيل»، و«السّائرون نياما» لهرمان بروخ و«الجبل السحري» لتوماس مان.

وفي الشتاء، أميل إلى قراءة الآثار الأدبيّة العظيمة في التراث العربي، مثل «الإمتاع والمؤانسة» لأبي حيّان التوحيدي، و«حياة الحيوان الكبرى» للدميري، وتاريخ ابن خلدون، وأعمال الجاحظ، خصوصا، رسائله، و«البخلاء»، و«الأغاني» لأبي فرج الأصبهاني، و«الفتوحات المكية» لمحي الدين بن عربي، و«إحياء علوم الدين» لأبي حامد الغزالي.

وفي الشتاء، أعود إليه دائما لأعيد قراءة مختارات من أعمال هوميروس وأرسطو وسوفوقليس وفرجيل وبلوتارك ولوكرتيوس وشيشرون وغيرهم. ورأيي أن أعمال أهل الإغريق والرومان من فلاسفة وشعراء وكتّاب هي أعظم ما أبدعته العبقرية البشرية في جميع الأزمان والحقب.

ربيع الشعر

أظنّ أن الربيع تناسبه قراءة أعمال الشعراء الذين أحبّ من العرب ومن غير العرب. ففي الصباح المشرق بأنوار البحر الأبيض المتوسط، وأنا استيقظ على زقزقات العصافير في الحديقة الصغيرة المعطّرة بالأزهار التي تفتّحت للتوّ، يحلو لي أن أقرأ صفحات من مختارات أدونيس للشعر العربي في أجزائه الثلاثة التي أنجزها وهو دون سنّ الأربعين.

ولو طلب من واحد من شعراء اليوم، من الذين لا يجيدون قصيدة النّثر، غير أنهم يصرّون على أن يركبوها ركوبهم للحمار المُدمى الظّهر، أن ينجز عملا كهذا، لفرّ مذعورًا إلى أحد المخابئ السّرية حيث يصعب العثور عليه. وأعتقد أن مختارات أدونيس لأشعار العرب من القدماء والمحدثين هي أفضل ما أنجز إلى حدّ هذه الساعة في هذا المجال، مجال المختارات.

وقد سعى البعض أن يفعلوا ما فعله صاحب «أغاني مهيار الدمشقي» غير أن نجاحهم كان محدودًا للغاية. ومن الشعراء العرب المحدثين الذين أحبّ أن أقرأ أعمالهم في فصل الربيع، أذكر بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي وسعدي يوسف وحسب الشيخ جعفر وأمل دنقل ومحمود درويش وصلاح عبدالصبور ومحمد الماغوط وفؤاد رفقه والمنصف الوهايبي ومحمد الغزي وأولاد أحمد ومحمد الفيتوري وسركون بولص.

ويحْلُو لي أن أعيد في الربيع قراءة أعمال الكلاسيكيين العرب من أمثال طه حسين ومصطفى صادق الرافعي وتوفيق الحكيم وعبّاس محمود العقاد وأمين نخله ومارون عبود والمازني ويحيى حقي.

أنهار الصيف

وأما الصيف فيحتاج إلى الكتب التي تقرأ من الدفّة إلى الدّفة من دون عناء. وأنت تقرؤها، تشعر أنها تأخذك معها مثلما يأخذك نهر سريع التدفّق والجريان. من بين هذه الكتب يمكن أن أذكر قصص غوغول وتشيكوف وأدغار الن بو وأعمال غابريال غارسيا ماركيز وجوزف كونراد وميلان كونديرا وكواباتا والبعض من روايات ماريو فارغاس يوسا وإيزابيلا اللندي والبوتومورافيا وكل ما كتب إيطالو كالفينو من قصص وروايات ونصوص نقديّة.

وفي الصّيف، أجد متعة في إعادة قراءة «رحلة ابن بطوطة»، وكتب السيرة. وأذكر أني قرأت ذات صيف بعيد الجزأين اللذين خصّصهما الأمريكي ريتشارد إيلمان لسيرة الكاتب الإيرلندي العظيم جيمس جويس. فحصلت على متعة نادرًا ما حصلت عليها. وقد ساعدني ذلك الكتاب على فهم الكثير من ألغاز عالم صاحب رائعة «أوليسيس»، وعلى الاطّلاع أيضا على خفايا الثقافة الأوروبية خلال القرن العشرين. كما أني قرأت في الصيف، وبمتعة كبيرة، الكتب التي ألفها ستيفان زفايغ والتي يروي فيها سيرة ماري انطوانيت، وماجلان، وتولستوي، ونيتشة.

ويستهويني أيضا أن أعيد قراءة أعمال ستاندال الذي يقول: «نحن لا يمكن أن نبلغ الحقيقة إلاّ في الرواية». وكان يقول أيضا: الحياة هي الحبّ أوّلا، ثمّ ألأدب ثانيا.

فتنة الخريف

بورخيس يمثل مكتبة الكون


يمضي الصّيف خفيفا وسريعا، ويحلّ الخريف بأمطاره، وأوراقه الصفراء الذابلة، وبرتقاله، وليمونه، وتمره، وضوئه الآسر خصوصا في الصباحات والمساءات، وتخفّ الحرارة، فأستعيد حيويتي للعمل.

ودائما يكون من المفيد أن أعيد قراءة أعمال تحثّني على الكتابة مجدّدا، وتساعدني على إعادة الغوص في تاريخ بلادي، والتعرّف على عاداتها وتقاليدها، مثل «إتحاف أهل الزمان» لأحمد ابن أبي الضياف، و«الأغاني التونسية» للصادق الرزقي، و«كتاب العمر» لحسن حسني عبد الوهاب، و«البدو في حلّهم وترحالهم» لمحمد المرزوقي.

وأنا لا أملّ من قراءة أعمال فلوبير في كلّ فصول السنة خصوصا الرواية التي مات دون أن يكملها، أعني بذلك «بوفار وبيكوشيه»، وقصصه، ورسائله التي أعتبرها عملا فنّيا رائعا لا يقل قيمة عن رواياته. ومن الأعمال العظيمة التي قرأتها في الخريف «فوق البركان» للكاتب البريطاني مالكوم لاوري الذي توفي مبكّرا بسبب إدمانه على الكحول، و«وعي زينو» للكاتب الإيطالي إيطالو سفيفو الذي كان صديقا لجيمس جويس في مدينة «ترياست»، و«دفاتر لوريدز بريغة» لراينار ماريا ريلكه، و«الحب في زمن الطاعون» لغابريال غارسيا ماركيز.

14