لكمة الصباح

الأحد 2014/03/23

المصريون كانوا مشهورين بوجوههم السمحة وابتسامتهم المتفائلة.. أقوالنا الدارجة مليئة بالنماذج المشرقة مثل “صباح الفل يا عسل.. أو صباح النور على البنور..” والأم تدعو لابنها “ربنا يفتحها في وشك”.. وإذا تزوج تقول له “يجعلها قدم السعد عليك”، وإذا تطلقت نقول لا تحزن على ما أصابك ولا تفرح بما أتاك.. حتى في الحوادث واللحظات المأساوية كنا نقول “قضاء أخف من قضاء”، وإذا خسرت مالا نقول “اللي ييجي في الريش بقشيش”.. وإذا توظفت فخير وبركة ورزقك في رجليك.. وإذا اِترفَتْ نهوّن الأمور “نصيبك هيصيبك ورزقك حيناديك”! عشنا عشرات السنين ندعو للتفاؤل والصبر على المكاره والرضا بالقليل..

لكن منذ ثلاث سنوات تغيرنا.. فقدنا التعاطف مع الآخرين، تبلدنا من كثرة التفجيرات والمظاهرات.. أصبحنا لا نرى بأسا في أن نخرب وندمر ونقتل، وتخيلوا فقد تحولنا لأعداء وحاسدين وظالمين لبعضنا البعض.. نسينا الأغنية الشهيرة لعبد المطلب “يا حاسدين الناس مالكم ومال الناس″.. وجوهنا أصبحت مكفهرة عابسة.. الحواجب معقودة والتكشيرة مرسومة.. أدمنا المواقف المتطرفة والعنترية للتأكيد على المواقف الاستقطابية سواء كانت ثورية أو إخوانية.. صارت كلمة الوطنية ضعفا وتحولت الابتسامة التقليدية إلى دليل على العمالة والخنوع.. تعيش شوارعنا اعتصامات ومشاجرات واحتجاجات.. اختفت عبارات الصباح الجميلة ورحلت المجاملات والشهامة والمروءة.. أصبحت الأيام ثقيلة والابتسامات شحيحة.. لحظات الفرح انقرضت.. هذا الأسبوع حدثت مشاجرة بين جاري الحاج أحمد التاجر والمهندس محمود.. اشتبكا وعلا صوتهما وهما يتسابقان على مكان انتظار أمام العمارة.. دخل التراشق اللفظي بينهما مناطق شائكة تناولت الدين والآباء والأمهات.. وفي الصباح حاول الحاج أحمد أن يعالج خطأ الأمس وتقابل مع جاره المهندس في المصعد.. وبادره قائلا صباح الخير يا محمود.. فإذا بالأخير يوجه له لكمة قوية في وجهه قائلا “وكمان بتقول لي صباح الخير.. صباحك زفت وقطران على دماغك”.. خسارة.. هكذا كنا وهكذا أصبحنا.

24