لكم رؤوف رحيم، ولنا شديد العقاب

هل سيغفر الله للنساء ذنوبا بسيطة لأنهن حافظن على الكثير، وثوابت العقيدة، وفقط أردن الحياة بلطف ومظهر متأنق؟
الاثنين 2018/11/05
هل نثر بعض ذرات من مسحوق خاف للعيوب كبيرة من الكبائر

تسعى المرأة جاهدة للحفاظ على مظهرها وحيويتها، باذلة من أجل ذلك الغالي والنفيس، لا تألو جهدا ولا تبخل بمال حال تعلق الأمر بأناقتها وحيوية جسدها وشبابها الدائم.

فطنت بيوت الأزياء العالمية لهذا وتعمل عليه لإرضاء جميع الأذواق، وتسخير خطوط إنتاج جديدة كل فترة لهذا السبب، وباتت تتنافس في ما بينها لكسب ثقة أعداد هائلة من النساء.

فلا توجد امرأة على وجه الأرض، أيا ما كانت حالتها الاجتماعية والمادية ودرجتها العلمية وثقافتها، إلا وتعاملت مع الأزياء الأنيقة ومساحيق التجميل بطريقة ما.

كثيرات يتصالحن مع ملامحهن في المرآة حين تمنحهن الطبيعة ملامح في براءة صباح طازج، كطفل بريء لم يلوثه الزمن بتجاعيده البغضية، وهن المحظوظات.

ومع تقدم المرأة في العمر تمتص السنوات بريقها في منتصف الطريق، تتغير الملامح وتتبدل غير التي كانت بالأمس، فماذا تفعل؟ هل تترك بشرتها تتجعد، وتسير على عكازين؟ هل تترك الزمن يعبث معها بحجة أن التجمل حرام؟ أمازالت عقول تبث أفكارها في فضاءاتنا المفتوحة، تعلم الفتيات أنهن وقود النار فقط لتلوثهن بعار نون النسوة؟

أثار فيديو لرجل دين يفتي بحرمة وضع المرأة لأي مساحيق على وجهها، لأي سبب من الأسباب حفيظتي، للأسف قبل أن أهم بتحويل القناة وجدت المذيعة نفسها وهي محجبة تنفعل بحدة، كادت تبكي، متسائلة: هل يريدني الله دميمة؟ هل يتزين الرجل ويرتدي ما شاء من الملابس ويتعطر وأنا أسير إلى جواره مكفهرة الوجه، رثة الثياب قبيحة المنظر، لأنني أنثى؟

أثارت تساؤلات المذيعة قضية وجودية هامة، حول سادية الخالق، حاشاه، وعن سعادته بتعذيب خلقه، خرجت منها بحقيقة ثابتة، وهي أن الله تعالى لم يخلقنا ليعذبنا ولا يستمتع بشيّ أجسادنا في النار، الله أجمل من هذا، خالقنا رحيم.

إنما هي فتاوى متشددة ترسيخا لتعصب مقيت، وخطاب ديني آن الأوان لتغييره منذ سنوات إلا أنه مازال يعبث بنا ومعنا دائما.

النظرة التمييزية لبعض رجال الدين وليست من الله، الأديان ليست عنصرية.وبعيدا عن هذا الخلاف الديني الفقهي وطريقة عرضه، أتساءل: هل تجبر المرأة على الخروج هكذا؟

لا أريد لها سفورا ولا خروجا عن المألوف، ولم أبن علاقة صداقة بيني وبين أحد ارتكازا على اختلاف ديني أو فكري، أو أيديولوجي مطلقا، ما أضعه نصب عيني دائما هو الشعور الإنساني الأسمى.

لكن أليس من حق امرأة ترك لها مرض قديم منذ الطفولة ندوبا ونتوءات طفيفة أن تخفيها؟ أليس من حق امرأة صبغ طول السهر والإجهاد حول عينيها بالسواد أن تتخلص منه بنثر بعض ذرات من مسحوق يعالج عيوب الوجه ويخفيها؟

لنا زميلة ثلاثينية ترك لها عراك طفولي في مدرستها أثرا لا يمحوه الزمن ولم تقو الفتاة على إجراء جراحة تجميلية باهظة الثمن، خاصة وأن مؤسستها لا تؤمّن مثل هذه النوعية من الجراحات، تصاحب كريم أساس بلون حنطي وتضعه في حقيبة يدها، تطمئن لوجوده بداخلها أكثر من اطمئنانها على حافظة النقود، وقد استقر في الحقيبة بهدوء، يتلطف بأنوثتها ولا يبرح مكانه، فهل هذا حرام شيخنا الجليل؟

تتمتع ابنة خالتي بجمال باهر، في عينيها جلال ورهبة كأميرة رومانية هاربة من كتب الأساطير العتيقة، لا يخدش قدسية النظر إلى عينيها العسليتين ووجهها الأبيض المستدير غير جرح قديم في ذقنها المستديرة البارزة، فلولا هذا الجرح العميق الذي لم ينل العلاج اللائق به في حينه فخلف أثرا غائرا، لكانت الذقن تدرس في جراحات التجميل.

فهل تحرم عليها رائحة الجنة لو أخفت هذا الجرح؟ هل نثر بعض ذرات من مسحوق خاف للعيوب كبيرة من الكبائر؟

هل شعر هذا الشيخ يوما ما بألم عميق لامراة فاتنة استيقظت صباحا لتجد التجاعيد المتوحشة تزحف على وجهها وتهاجمها بشراسة؟

هل استمع يوما ما لأنين نساء يردن أن يرحلن وصورتهن الجميلة في الأذهان؟ فهذا ما دفع فنانات للابتعاد عن الأضواء حفاظا على صورة ملامح فاتنة.

أحلم بفتاوى قريبة من الواقع وليست مغيبة عنه، الله واحد عادل، رحيم علينا جميعا وليس لكم رؤوفا رحيما، ولنا شديد العقاب.

هل سيغفر الله للنساء ذنوبا بسيطة لأنهن حافظن على الكثير، وثوابت العقيدة، وفقط أردن الحياة بلطف ومظهر متأنق؟

أدعوك عزيزي القارئ، عزيزتي وحبيبتي القارئة لمشاركتي الرأي.

21